السويس.. من مدينة المقاومة إلى مدينة الإبداع

الأحد 8 نوفمبر, 2026

بقلم م. رامى المكاوى 

في عيدها القومي وزيارة رئيس الوزراء.. مهرجان VSFILM يفتح نافذة جديدة للحياة الثقافية والفنية ويعيد طرح سؤال العدالة الثقافية لأبناء المدينة الباسلة
هناك مدن تصنع مكانتها بما تمتلكه من ثروات ومشروعات، وهناك مدن أخرى تصنع تاريخها بدماء أبنائها وتضحياتهم، وتظل حاضرة في وجدان الوطن مهما تغيرت الأزمنة. ومحافظة السويس واحدة من هذه المدن التي لم تكن يومًا مجرد موقع جغرافي أو ميناء استراتيجي، وإنما كانت وستظل رمزًا للبطولة والصمود والإرادة الوطنية.
ومع احتفال السويس بعيدها القومي في 24 أكتوبر، الذي يخلد ذكرى المقاومة الشعبية الباسلة لأبنائها في مواجهة القوات الإسرائيلية خلال حرب أكتوبر 1973، جاءت زيارة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، للمحافظة يوم 29 أكتوبر، لتؤكد اهتمام الدولة بمسيرة التنمية على أرض المدينة الباسلة، في وقت شهدت فيه السويس أيضًا حدثًا ثقافيًا وفنيًا مهمًا تمثل في إقامة الدورة الثالثة من مهرجان VSFILM للأفلام القصيرة جدًا، خلال الفترة من 28 أكتوبر وحتى 1 نوفمبر 2026.
ولعل تزامن هذه الأحداث الثلاثة، العيد القومي وزيارة رئيس الوزراء والمهرجان السينمائي، يقدم فرصة للتأمل في مستقبل السويس، ليس فقط باعتبارها مدينة ذات تاريخ وطني عظيم، أو مركزًا اقتصاديًا وصناعيًا مهمًا، وإنما باعتبارها مجتمعًا يستحق أن يحظى بنصيب أكبر من الاهتمام الثقافي والفني، وأن تتاح لأبنائه الفرصة للمشاركة في الحياة الإبداعية التي طالما تركزت فعالياتها الكبرى في القاهرة وبعض المدن الرئيسية.

يظل يوم 24 أكتوبر من كل عام علامة مضيئة في التاريخ الوطني المصري، ففي هذا اليوم من عام 1973، واجه أبناء السويس محاولة القوات الإسرائيلية اقتحام المدينة واحتلالها، بعد عبورها إلى غرب قناة السويس، وقدم الأهالي بالتعاون مع القوات المسلحة والشرطة نموذجًا استثنائيًا للمقاومة الشعبية.
لم تكن المواجهة مجرد معركة عسكرية، بل كانت ملحمة شعب آمن بأرضه ورفض الاستسلام، فخرج أبناؤه للدفاع عن مدينتهم، وسطروا صفحات من البطولة والشجاعة، أصبحت جزءًا أصيلًا من ذاكرة حرب أكتوبر المجيدة.
ومن بين الرموز الوطنية التي ارتبط اسمها بهذه الملحمة البطل الشيخ حافظ سلامة، الذي كان أحد أبرز قادة المقاومة الشعبية بالسويس، إلى جانب رجال وأبناء المدينة الذين قدموا نموذجًا خالدًا في التضحية والانتماء.
ولهذا فإن العيد القومي للسويس ليس مجرد مناسبة احتفالية تتكرر كل عام، وإنما هو استدعاء لقيم وطنية عظيمة، وتذكير للأجيال الجديدة بأن هذه المدينة التي دافعت عن الوطن في أصعب الظروف تستحق أن تحظى اليوم بكل مقومات التنمية والتقدم، وأن يجد أبناؤها فرصًا حقيقية لبناء مستقبل يليق بتاريخهم.

وفي هذه الأجواء الوطنية، جاءت زيارة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لمحافظة السويس، بالتزامن مع احتفالاتها بعيدها القومي الـ53، لتؤكد اهتمام الدولة بمتابعة المشروعات التنموية والخدمية، وتعزيز مكانة المحافظة على خريطة التنمية الاقتصادية والاستثمارية.
وشملت الزيارة عددًا من المشروعات في قطاعات التعليم والصحة والطاقة المتجددة والتنمية الصناعية والخدمات، ومن بينها افتتاح المرحلة الأولى من المستشفى الجامعي لجامعة السويس، بطاقة استيعابية تبلغ نحو 110 أسرّة، إلى جانب لقاء رئيس الوزراء عددًا من طلاب الجامعات بالمحافظة، والاستماع إلى آرائهم وتساؤلاتهم حول قضايا التنمية ومستقبل الشباب.
وتعكس هذه التحركات أهمية السويس في خطط الدولة، باعتبارها إحدى المحافظات ذات الموقع الاستراتيجي المتميز، وارتباطها بقناة السويس والموانئ والمناطق الصناعية والاستثمارية، فضلًا عن إمكاناتها الواعدة في مجالات السياحة والخدمات والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
لكن التنمية الحقيقية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود المصانع والطرق والمستشفيات والمشروعات الاستثمارية، مهما بلغت أهميتها، وإنما يجب أن تمتد إلى الإنسان نفسه، باعتباره الهدف الأول لكل عملية تنموية.
فالإنسان لا يحتاج فقط إلى فرص العمل والخدمات الصحية والتعليمية، وإنما يحتاج أيضًا إلى الثقافة والفن والمعرفة، وإلى مساحات يستطيع من خلالها التعبير عن نفسه واكتشاف مواهبه والتفاعل مع المجتمع.
وهنا تبرز أهمية وضع التنمية الثقافية والفنية ضمن أولويات تطوير محافظة السويس، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من بناء الإنسان وتحسين جودة الحياة...
وفي مشهد ثقافي موازٍ لهذه التحركات، جاءت الدورة الثالثة من مهرجان VSFILM للأفلام القصيرة جدًا، لتقدم تجربة مختلفة على أرض السويس، وتعيد التأكيد على أن الفن ليس حكرًا على العاصمة، وأن جمهور المحافظات يمتلك الشغف نفسه تجاه السينما والإبداع، متى أتيحت له الفرصة لمتابعة الفعاليات والمشاركة فيها.
فالمهرجان لم يكن مجرد عروض لأفلام قصيرة جدًا، أو مناسبة لالتقاء الفنانين وصناع السينما، وإنما سعى إلى تقديم حالة ثقافية وفنية متكاملة من خلال الأنشطة واللقاءات والفعاليات المصاحبة، التي أتاحت لأبناء المحافظة مساحة للتفاعل مع الفن والتعرف على تجارب إبداعية متنوعة.
وكان اختيار السويس لاستضافة هذه الدورة يحمل رسالة مهمة، مفادها أن المهرجانات يجب أن تخرج من الإطار التقليدي للمدن الكبرى، وأن تصل إلى المجتمعات التي تحتاج إلى مزيد من الحراك الثقافي والفني.
وقد شهدت الفعاليات تفاعلًا من أبناء المدينة وضيوف المهرجان، وظهرت بوضوح حاجة الجمهور السويسي إلى مثل هذه الأنشطة، التي تمنحه فرصة مشاهدة الأعمال السينمائية والالتقاء بالفنانين والمبدعين، والاقتراب من عالم الفن بصورة مباشرة.
والأهم أن المهرجان قدم دليلًا عمليًا على أن غياب الفعاليات لا يعني غياب الجمهور، وأن أبناء السويس ليسوا بعيدين عن الثقافة والفنون، بل إنهم في حاجة إلى مبادرات تفتح أمامهم الأبواب وتمنحهم الفرصة للاستمتاع والمشاركة والإبداع.

ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجربة VSFILM هو ضرورة إعادة النظر في توزيع الأنشطة والفعاليات الثقافية على مستوى الجمهورية.
فكما نتحدث عن العدالة في توزيع الاستثمارات والخدمات والمشروعات التنموية، يجب أن نتحدث أيضًا عن العدالة الثقافية، وأن يحصل أبناء السويس على فرصتهم في مشاهدة العروض السينمائية والمسرحية والحفلات الموسيقية، والمشاركة في المهرجانات والأنشطة الفنية، مثلهم مثل أبناء القاهرة والإسكندرية.
فالثقافة ليست ترفًا اجتماعيًا، وليست نشاطًا إضافيًا يمكن الاستغناء عنه عند وضع خطط التنمية، وإنما هي عنصر أساسي في بناء الوعي وتشكيل الشخصية وتعزيز الانتماء الوطني.
ولا يمكن أن نطالب الشباب بالانفتاح على العالم واكتساب الخبرات والمهارات، ثم نتركهم بعيدًا عن الأنشطة التي تمنحهم فرصة الاحتكاك بالتجارب الفنية والثقافية المختلفة.
إن السويس بما تمتلكه من تاريخ وطني وإنساني، وبما لديها من طاقات شبابية، تستحق أن تكون حاضرة بقوة على خريطة الفعاليات الثقافية المصرية، وأن تتحول إلى وجهة تستضيف المهرجانات والأنشطة التي تجمع بين الفن والتاريخ والسياحة.

إن نجاح أي مهرجان لا يقاس فقط بعدد الأفلام التي يعرضها أو أسماء الفنانين المشاركين فيه، وإنما بمدى تأثيره في المجتمع، وقدرته على ترك أثر يستمر بعد انتهاء فعالياته.
ومن هذا المنطلق، فإن تجربة مهرجان VSFILM في السويس تستحق أن تكون بداية لمشروع ثقافي مستدام، وليس مجرد حدث ينتهي بانتهاء أيام انعقاده.
وهنا تبرز أهمية استمرار المهرجان في السويس، والعمل على إدراجه ضمن الأجندة الثقافية السنوية للمحافظة، بالتعاون مع وزارة الثقافة والجهات المعنية ومؤسسات المجتمع المدني، بما يضمن وجود موعد سنوي ثابت ينتظره أبناء المدينة.
كما نظم المهرجان  ورش متخصصة لتعليم صناعة الأفلام والتصوير والتمثيل والكتابة السينمائية، واقام مسابقة السيناريو للشباب والطلاب، وإتاح الفرصة أمام المواهب المحلية لإنتاج أفلام تعبر عن تاريخ السويس وقضاياها ووصل المهرجان  إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع.

ولا ينبغي النظر إلى الفعاليات الفنية باعتبارها نشاطًا ثقافيًا فقط، بل يمكن أن تكون أحد روافد التنمية السياحية والاقتصادية بالمحافظة.
فالسويس تمتلك مقومات متنوعة، بداية من موقعها الجغرافي المتميز، وارتباطها بقناة السويس، وتاريخها الوطني، مرورًا بمناطقها الساحلية، وصولًا إلى إمكاناتها في السياحة البحرية والترفيهية والثقافية.
ومن شأن إقامة مهرجانات سينمائية وموسيقية ومسرحية بصورة منتظمة أن تسهم في جذب الزوار، وتنشيط الفنادق والمطاعم والخدمات السياحية، وإيجاد حركة اقتصادية مصاحبة للفعاليات.
كما يمكن استثمار التاريخ الوطني للمدينة في تقديم برامج سياحية وثقافية تستعيد بطولات المقاومة الشعبية، وتربط بين المواقع التاريخية والأنشطة الفنية، بما يمنح الزائر تجربة مختلفة تجمع بين المعرفة والترفيه.
وهنا يمكن أن تصبح السويس نموذجًا للمدينة التي توظف تاريخها وموقعها وإمكاناتها الثقافية في صناعة منتج سياحي متكامل.

إن زيارة رئيس مجلس الوزراء للمحافظة تمثل فرصة مهمة لطرح رؤية أكثر شمولًا لمستقبل السويس، بحيث تتكامل المشروعات الاقتصادية والخدمية مع الاهتمام بالجانب الثقافي والفني.
ومن هنا، فإننا نأمل أن تحظى الثقافة والفنون باهتمام أكبر ضمن خطط تطوير المحافظة، وأن يكون هناك برنامج سنوي واضح للأنشطة والمهرجانات، بالتعاون بين محافظة السويس ووزارة الثقافة والجامعات والمؤسسات الأهلية والخاصة.
كما أن استمرار مهرجان VSFILM في السويس يمثل خطوة مهمة يمكن البناء عليها، خاصة أن التجربة أثبتت وجود جمهور متعطش للفن، وأن الاستثمار في الأنشطة الثقافية يحقق مردودًا يتجاوز حدود أيام المهرجان.
ولا بد أن يكون لأبناء السويس نصيب حقيقي في هذه الحركة، من خلال دعم المواهب المحلية، وتوفير أماكن مناسبة للعروض والأنشطة، وإتاحة الفرصة أمام الشباب للمشاركة في التنظيم والإنتاج والإبداع.
فالسويس لا تحتاج فقط إلى من يحتفي بتاريخها في المناسبات الوطنية، وإنما تحتاج إلى مشروع ثقافي يليق بهذا التاريخ، ويمنح أبناءها فرصة حقيقية لصناعة حاضرهم ومستقبلهم.