مأساة تتجاوز حدود الحرب : عندما يفقد الطفل بيته .. تضيع طفولته الآمنة و فرصته فى بناء مستقبله !!
الأحد 18 أكتوبر, 2026
بقلم المهندس محمد دياب
رئيس اللجنة المركزية للتعليم والبحث العلمي بالمنتدى العالمى للدراسات المستقبلية
ليس أصعب ما يواجهه الطفل الذي تجبره الحرب على مغادرة منزله أن يترك غرفته وألعابه خلفه .. بل أن يجد نفسه فجأة في عالم لا يعرف تفاصيله بعيدًا عن مدرسته وأصدقائه والأماكن التي صنعت ذكرياته الأولى. فالطفل لا يغادر بيتًا فقط بل يفقد شعوره بالأمان والاستقرار والانتماء في وقت لا يزال فيه بحاجة إلى من يساعده على فهم العالم من حوله.
تكشف الأرقام حجم هذه المأساة حيث بلغ عدد الأطفال الذين نزحوا بسبب النزاعات والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان نحو ثمانية وأربعين مليونًا وثمانمائة ألف طفل بنهاية عام ألفين وأربعة وعشرين وفقًا لبيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف». ورغم أن هذا الرقم يعود إلى نهاية عام ألفين وأربعة وعشرين فإن أزمات النزوح استمرت خلال العامين الاخيرين لتظل حماية الأطفال المتضررين من الحروب والنزاعات واحدة من أبرز التحديات الإنسانية التي تواجه العالم.
وحتى اليوم .. لا تزال أزمات النزوح تؤثر في أطفال فلسطين والسودان وأوكرانيا واليمن وسوريا وميانمار وجمهورية الكونغو الديمقراطية وهايتي وغيرها من المناطق التي تشهد صراعات وأزمات إنسانية. ففي غزة يواجه أطفال كثيرون النزوح المتكرر وفقدان مقومات الحياة الآمنة وفي السودان تسببت الحرب في نزوح أعداد كبيرة من الأسر بينما لا يزال أطفال أوكرانيا يواجهون آثار الحرب والابتعاد عن منازلهم. ورغم اختلاف ظروف كل أزمة .. فإن هؤلاء الأطفال يدفعون ثمن صراعات لم يختاروها .. ويواجهون مستقبلًا لا يعرفون ملامحه.
ولا تتوقف آثار النزوح عند فقدان المنزل بل تمتد إلى التعليم والعلاقات الاجتماعية والشعور بالهوية.. فالمدرسة ليست مكانًا للتعلم فقط وإنما تمنح الطفل روتينًا يوميًا وفرصة لتكوين الصداقات واستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية. وعندما ينقطع عنها يصبح الحفاظ على استقراره النفسي والتعليمي تحديًا يحتاج إلى اهتمام الأسرة والمجتمع والمؤسسات المعنية.
من هنا تأتي أهمية ألا نطلب من الطفل أن ينسى ماضيه حتى يندمج في مجتمع جديد. فمن حقه أن يتعلم لغة جديدة ويكوّن صداقات مختلفة ..و يحتفظ في الوقت نفسه بلغته الأصلية وذكرياته وعلاقته بثقافته. فالانتماء لا يتعارض مع التكيف .. والبدء من جديد لا ينبغي أن يعني التخلي عن الجذور.
وتقع على الأسرة والمدرسة والمجتمع مسؤولية توفير بيئة آمنة تحترم مشاعر الطفل وتمنحه فرصة للتعلم والمشاركة دون تمييز. كما أن الدعم النفسي لا يعني افتراض أن كل طفل نازح يعاني بالطريقة نفسها بل يعني الانتباه إلى احتياجاته وتقديم المساعدة المناسبة عندما يحتاج إليها.
ان مسؤولية العالم لا تنتهى بتوفير مأوى مؤقت أو مساعدات عاجلة بل تمتد إلى حماية حق الأطفال في التعليم والأمان ومستقبل يمكنهم التخطيط له.
فالعودة إلى الوطن ليست ممكنة دائمًا فور انتهاء القتال والاستقرار في مكان جديد يحتاج إلى فرص حقيقية للحياة الكريمة.
في النهاية قد يفقد الطفل بيته بسبب حرب لم يخترها لكنه لا ينبغي أن يفقد معها حقه في طفولة آمنة أو فرصة لبناء مستقبله. فحماية الأطفال النازحين لا تعني فقط إنقاذهم من الخطر بل مساعدتهم على الاحتفاظ بإحساسهم بالانتماء ومنحهم فرصة للنمو والتعلم والحلم أينما أصبحت حياتهم الجديدة