لا تقتلوا فرحة مصر! «تارانتو» تفضح أبواق التشكيك.. الميداليات ترد والأرقام تحسم الجدل

الأحد 30 أغسطس, 2026


في اللحظة التي كان فيها أبطال مصر يصنعون المجد ويرفعون العلم الوطني فوق منصات التتويج في إيطاليا، كان هناك من اختار أن يخوض معركته بعيدًا عن الملاعب.. معركة هدفها التشكيك في الإنجاز، وتضخيم الإخفاق، ومحاولة إقناع المصريين بأن ما يرونه بأعينهم فوق منصات التتويج لا يستحق الفرحة.
لماذا؟ ولمصلحة مَن؟
السؤال ليس اتهامًا لأحد، لكنه سؤال مشروع أمام مشهد بات يتكرر: كلما حققت الرياضة المصرية إنجازًا، ظهرت أصوات تسعى إلى تفريغه من قيمته، وكلما وقع إخفاق، تحولت الواقعة إلى دليل جاهز على «انهيار المنظومة».
لكن الرياضة لا تُدار بهذه الطريقة.
الأرقام هي الحكم.
36 ميدالية.. والواقع يرد
مصر تجاوزت في «تارانتو 2026» حاجز 36 ميدالية حتى 30 أغسطس، بينها 11 ذهبية و12 فضية و13 برونزية، في دورة تشهد منافسة قوية بين دول البحر المتوسط.
والأهم من الرقم نفسه أن الميداليات جاءت عبر أكثر من لعبة، بما يعكس تنوع مصادر الإنجاز.
هذه ليست نهاية المشروع، لكنها بالتأكيد ليست صورة «الانهيار» التي يحاول البعض تسويقها.
فالرياضة المصرية لديها مشاكل حقيقية، نعم.
لكن لديها أيضًا أبطال حقيقيون.. ونتائج حقيقية.. ومؤشرات تستحق البناء عليها.
الإنجاز الذي لا يريد البعض رؤيته
من أبرز النماذج منتخب مصر للسباحة بالزعانف.
في مشاركته التاريخية، حصد المنتخب 12 ميدالية: 4 ذهبيات و4 فضيات و4 برونزيات.
إنجاز يفتح بابًا جديدًا أمام الرياضة المصرية، ويؤكد أن دائرة المنافسة تتسع وأن ألعابًا كانت بعيدة عن دائرة الضوء أصبحت قادرة على صناعة أبطال ورفع علم مصر.
وهنا تحديدًا يصبح الصمت عن الإنجاز علامة استفهام.
لماذا يتم الاحتفاء بالإخفاق وتجاهل النجاح؟
ولماذا يبحث البعض عن ثغرة في المشهد المصري بدلًا من البحث عن فرصة لتطويره؟
نعم.. المصارعة ملف مفتوح
وفي المقابل، لا يمكن أن تتحول الفرحة إلى ستار يخفي الأخطاء.
واقعتا محمد الشامي وزياد حجاج تحتاجان إلى تحقيق كامل وشفاف، وتحديد للمسؤوليات، وتطبيق اللوائح والقانون على أي طرف يثبت تقصيره.
لكن هنا أيضًا يجب أن نكون مهنيين:
مساءلة المخطئ لا تعني إدانة المنظومة كلها.
ومن الخطأ أن نسمح لواقعة أو اثنتين بأن تبتلع حصاد بعثة كاملة، كما أن من الخطأ استخدام النجاح لتجاهل أي خلل.
الدولة القوية لا تخاف من المحاسبة.
والمنظومة القوية هي التي تستطيع أن تقول:
أخطأنا.. وسنصلح.
بين النقد والتشويه
النقد الرياضي ضرورة.
بل إن الرياضة المصرية في حاجة إلى نقد أكثر عمقًا مما يحدث الآن.
نحتاج إلى من يراجع خطط إعداد اللاعبين.
من يحلل أسباب الخسارة.
من يسأل عن اختيار الأجهزة الفنية.
من يقارن بين الإمكانات والنتائج.
من يضع يده على أوجه القصور.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين النقد المهني وبين تحويل كل نتيجة سلبية إلى حملة تشكيك في الدولة والاتحادات والأبطال.
النقد يبحث عن الحل.
أما التشويه فيبحث عن الضحية.
«تارانتو» ليست النهاية.. بل اختبار حقيقي
القيمة الحقيقية لما تحقق في إيطاليا لن تظهر فقط في جدول الميداليات.
ستظهر في السؤال الأصعب:
هل نستطيع تحويل هذه النتائج إلى مشروع أولمبي؟
هل نستطيع الحفاظ على هؤلاء الأبطال؟
هل نستطيع اكتشاف جيل جديد؟
هل نستطيع تحويل ميدالية البحر المتوسط إلى منصة للانطلاق نحو بطولات العالم والأولمبياد؟
هنا يجب أن تبدأ المعركة الحقيقية.
فالهدف ليس أن نفرح اليوم فقط، وإنما أن نصل إلى لوس أنجلوس 2028 بمنتخبات أكثر قوة، وأبطال أكثر جاهزية، ومنظومة أكثر احترافًا.
لا تجعلوا الأبطال يدفعون ثمن صراعات الكبار
اللاعب الذي يرتدي قميص منتخب مصر ليس طرفًا في أي خلاف إداري.
هو يذهب إلى الملعب ليقاتل من أجل علم بلاده.
ومن يريد تغيير مسؤول أو اتحاد، فليقدم مشروعًا أفضل.
ومن يرى مخالفة، فليقدم الدليل.
ومن يملك رؤية فنية، فليطرحها.
أما تحويل اللاعبين إلى أدوات في صراعات النفوذ، أو استخدام إخفاقاتهم لضرب منظومة كاملة، فذلك ظلم للرياضة قبل أن يكون ظلمًا للاعب.
مصر أكبر من معركة على «فيسبوك»
لن تنهار الرياضة المصرية لأن لاعبًا أخفق.
ولن تصبح عظيمة لأن لاعبًا فاز بميدالية.
الرياضة مشروع طويل.
والنجاح الحقيقي هو أن تتحول الميدالية إلى منظومة، وأن يتحول الإخفاق إلى درس، وأن تتحول المحاسبة إلى إصلاح.
وهذا هو المطلوب الآن.
لا نريد إعلامًا يصفق لكل شيء.
ولا نريد إعلامًا يهدم كل شيء.
نريد إعلامًا يقول الحقيقة كاملة.
الرسالة الأخيرة
افرحوا بأبطال مصر.. ثم حاسبوهم إذا أخطأوا.
كرّموا من رفع العلم.. وواجهوا من قصّر في مسؤوليته.
ادعموا الناجح.. وأصلحوا الخلل.
لكن لا تسمحوا لأحد أن يسرق من المصريين حقهم في الفرح.
«تارانتو» قدمت صورة تستحق القراءة:
36 ميدالية ليست وهمًا.
12 ميدالية في السباحة بالزعانف ليست صدفة.
ذهبيات مصرية في أكثر من لعبة ليست مؤامرة.
ووصول منتخبات مصرية إلى منصات التتويج ليس «دعاية».
إنها نتائج يجب أن تُقرأ بموضوعية.
وفي المقابل، فإن أي خطأ أو تقصير يجب أن يخضع للمحاسبة.
هذه هي الدولة التي نريدها.
وهذه هي الرياضة التي نريدها. تنجز.. وتحاسب.
تفرح.. وتتعلم.
تكسب.. وتراجع نفسها.
أما محاولات اغتيال الفرحة، وصناعة الإحباط، وتحويل كل بطولة إلى ساحة لتصفية الحسابات، فلن تغير الحقيقة.
فوق منصات التتويج لا توجد «أبواق».. هناك علم مصر فقط.
وهذا العلم يستحق أن نحمي فرحة من يرفعونه، وأن نحاسب من يسيء إلى المنظومة، وأن نضع مصلحة الرياضة المصرية فوق أي مصلحة أخرى.