بمناسبة عيدها الوطني: سويسرا بلد السحر والجمال متحف طبيعي مفتوح
الأحد 2 أغسطس, 2026بقلم : محمد عثمان الفاضلابي
تبدأ الرحلة من زيورخ، المدينة التي تتداخل فيها الأزمنة كما تتداخل الألوان على صفحة الماء. إنها مدينة التاريخ والحاضر، مدينة المنفى والعجائب، المدينة التي احتضنت التلال بحيرتها كما تحتضن الأم طفلها. تتدلّى منازلها على الحوافي كأنها تبحث عن الضوء، وتزداد جمالاً بالغابات الخضراء التي تلمع تحت شمس لا تستعجل الرحيل.
زيورخ تجمع الشيء ونقيضه. يمكن أن تكون صاخبة كنبض مدينة لا تنام، وهادئة كمرآة ماء لا يتحرّك فيها سوى النسيم. على ضفاف بحيرتها ينساب نهر الليمّات كخيط من الفضة يعكس السماء ويمنح المدينة جمالاً يشبه الهمس. وفي البلدة القديمة تتجاور الحجارة العتيقة مع المقاهي الحديثة، كأن المدينة تقول للزائر إن الماضي والحاضر يتشابكان مثل أصابع يد واحدة.
زيورخ ليست مركزاً مالياً فحسب، ولا مقرّاً للفيفا حيث تُدار كرة القدم من قلب أوروبا. إنها مدينة تحمل في شوارعها قصة رجل غيّر مجرى التاريخ. فلاديمير إيليتش أوليانوف، لينين، اختار زيورخ ليعيش فيها سنوات منفاه. كان يتجوّل في أزقتها القديمة، وعلى ضفاف الليمّات، وعلى شواطئ البحيرة، وعلى سفوح التلال التي تحتضن الماء، يتأمّل مشاهد يكاد سحرها يوقف الزمن.
مشى في شوارعها الضيقة، جلس في مقاهيها الصغيرة، كتب رسائله وأفكاره بينما تتردد دقات الساعات القديمة بين الجدران الحجرية. كان يكتب من مكتبة زيورخ المركزية، ويجلس في مقهى أوديون على مشارف البحيرة، حيث كانت أفكاره تتخذ حرارة المكان، وكأن البحيرة تمنحه شرارة إضافية لما يخطّه من رؤى.
في زيورخ كتب لينين أعمالاً مفصلية، أبرزها كتاب الإمبريالية كأعلى مراحل الرأسمالية، النص الذي فكّك فيه بنية العالم وقرأ حركة رأس المال كما لو كانت خريطة للمستقبل. ومن هنا أيضاً كتب رسائل من بعيد إلى صديقته الألكسندرا كولنتاي التي كانت تقيم في زيورخ ثم رحلت إلى أوسلو التي كانت تصلها رسائله بها، لترسلها إلى الثوار في بطرسبرغ الذين كانوا ينتظرونها على أحرّ من الجمر، لتلهب ناراً غيّرت وجه التاريخ.
ومن زيورخ الهادئة، غادر لينين على متن القطار الشهير الذي حمله عبر أوروبا نحو روسيا ليبدأ فصلاً جديداً في تاريخ العالم. زيورخ مدينة تعرف كيف تدهشك، وكيف تريحك، وكيف تخبرك أن الجمال ليس دائماً في الطبيعة وحدها، بل في المدن التي تعرف كيف تحافظ على روحها.
جنيف، مدينة الدبلوماسية والبحيرة الهادئة، تأتي بعد زيورخ كعقد من ضوء على ضفاف بحيرتها الواسعة. إنها مدينة الأمم والبعثات والحوارات التي تُكتب فيها رسائل العالم. نافورتها الشهيرة ترتفع كعمود من الماء نحو السماء، كأن المدينة تقول للعالم إن الحديث يبدأ هنا وقد ينتهي هنا. شوارعها أنيقة، ومقاهيها تحمل رائحة الثقافة الفرنسية، وبحيرتها تمتد كمرآة من زرقة هادئة تعكس قمم الألب البعيدة.
لوسيرن مدينة الماء والجبال، لكن سحرها يكتمل عند جبل ريقي، الجبل الذي يحتضن البحيرة كأم تضم طفلها. هواء ريقي نقي إلى حد يجعل الزائر يشعر أن كل خطوة هي استنشاق جديد للحياة.
إنترلاكن مدينة وُلدت لتكون بوابة المغامرة. تقع بين بحيرتي تون وبرينز، وتطل من مستوى مرتفع على زرقة البحيرة التي تمتد تحتها كصفحة من الضوء. الجبال تحيط بها من كل جانب، والأنهار تنساب بين القرى، والهواء يحمل رائحة الثلج القادم من قمم يونغفراو.
بازل مدينة الفن والأنهار. تقف على ضفاف الراين كلوحة حيّة تتغير ألوانها مع الغروب. متاحفها كثيرة ومعارضها لا تنتهي، وشوارعها تحمل مزيجاً من سويسرا وألمانيا وفرنسا. إنها معرض مفتوح للروح الأوروبية.
بيرن، العاصمة الهادئة، يجري تحتها نهر الآر بلون الزمرد. مياهه أخضر مائل إلى الفيروزي، صافٍ إلى حد يمكن معه رؤية الحصى في القاع. يلتف النهر حول البلدة القديمة كذراع من الضوء، ويمنح بيرن شخصية لا تشبه أي مدينة أخرى.
بحيرة بيل مدينة الساعات، وبحيرة تون زرقة تحت التلال، وبحيرة برينز زرقة لا يمكن وصفها. النهر المنحدر خيط من الزمرد، وشلال إنترلاكن هدير الطبيعة.
لوغانو مدينة تجمع بين الأناقة المتوسطية وروح سويسرا الهادئة. بحيرتها تمتد بين الجبال كمرآة واسعة. لوكارنو مدينة الشمس، الأكثر دفئاً في سويسرا، وبحيرتها تمتد نحو إيطاليا.
سانت موريتز مدينة العلو الذي يلامس السماء. تقع على ارتفاع يقارب ألفي متر، وهواؤها نقي إلى درجة يشعر معها الزائر أن صدره يتّسع أكثر مما اعتاد. دافوس مدينة الثلج، تتنفس في الشتاء وتفتح ذراعيها للمتزلجين والباحثين عن نقاء الهواء.
سوق الولاية الصغيرة التي تعانق بحيرتها، تقف كجوهرة زرقاء بين التلال. بحيرتها هادئة كصفحة من الضوء، ومبانيها الصغيرة تنعكس على الماء كأنها جزء من لوحة معلّقة في الهواء. إنها مدينة تجمع بين البساطة والرقي، وبين هدوء الريف وأناقة المدن السويسرية.
سانت قالن مدينة الصناعات والذكريات، مدينة يعرفها السويسريون جيداً، لكن شهرتها تختلف باختلاف من يرويها. روشاخ الفريدة على بحيرة بودن، مدينة صغيرة لكن جمالها يفوق حجمها بكثير. تقف على ضفاف البحيرة كزهرة من ضوء، وتحيط بها تلال خضراء تجعلها تبدو كأنها لوحة مرسومة بعناية.
ابن سيبلا وقلوبندر يمثلان روح الريف السويسري القديم، حيث الأبقار ذات الأجراس الكبيرة، والجبنة التي تُصنع من حليب يأتي من مراعي ترتفع نحو السماء، والجبال الشامخة التي تقف كأعمدة نور فوق القرى.
قلارص مدينة الضوء والجبال، تركت للطبيعة أن ترسمها كما تشاء. جبالها ترتفع كأجنحة من صخر، ووديانها تنحدر كخيوط من الضوء، وبحيرتها تمتد كمرآة زرقاء تعكس وجه السماء.
شفيتس قلب الجمال السويسري، المدينة التي تحمل اسم البلاد نفسها. إنها مدينة التاريخ الأول والبيوت الخشبية والساحات التي شهدت ولادة الاتحاد السويسري. بحيرتها تمتد بين الجبال كصفحة من زرقة هادئة.
خلاصة السحر السويسري أن هذا البلد ليس مجرد دولة، بل متحف طبيعي مفتوح. بحيرات تحتضنها الجبال، أنهار بلون الزمرد، هواء نقي، مدن هادئة، وتاريخ يمشي جنباً إلى جنب مع الطبيعة. إنها بلد إذا دخلته شعرت أن الطبيعة كتبت لك رسالة، وإذا غادرته بقيت الرسالة في قلبك.