أسئلة من المستقبل بقلم  الخبيرة التربوية   منار البطران  مديرة وحدة الإصدارات والنشر المنتدى العالمي للدراسات المستقبلية تبدأ سلسلة ‏مقالات

السبت 1 أغسطس, 2026

 ليست كل الأسئلة تطرح لنجد لها إجابة  ..  فهناك أسئلة تغير الطريقة التي نفكر بها  
ولهذا جاءت هذه السلسلة لتفتح أبوابًا للتأمل ...‏ والحوار لا لتقدم إجابات جاهزة لأن المستقبل لا يصنعه من يمتلك كل الإجابات بل من يملك الشجاعة لطرح السؤال الصحيح

في عصر المعرفة هل أصبح امتلاك الهاتف   دليلاً على الوعي

وهل أصبحت وفرة المعلومات تعني بالضرورة زيادة الوعي

في زمن أصبحت فيه الحقيقة والشائعة تتسابقان إلى شاشة الهاتف لم يعد السؤال ماذا نعرف بل كيف نعرف وهل ما نعرفه يستحق أن نؤمن به

 بناء الإنسان

لماذا أصبح الجهل قرارًا لا قدرًا

لم يعد الجهل في عصرنا يشبه الجهل الذي عرفته الأجيال السابقة فقد كان الإنسان يبحث عن الكتاب فلا يجده ويبحث عن المعلم فيسافر إليه أما اليوم فأصبحت المعرفة على بعد لمسة واحدة وأصبح العالم كله بين أيدينا ومع ذلك ما زلنا نشاهد من يصدق الشائعة قبل الحقيقة ومن يكرر المعلومة قبل أن يتحقق منها ومن يصدر الأحكام قبل أن يبحث عن الدليل

لقد تغير العالم بسرعة غير مسبوقة لكن السؤال الحقيقي هو هل تطورت طريقة تفكيرنا بالسرعة نفسها أم أننا امتلكنا أدوات جديدة بعقلية قديمة فامتلاك الهاتف لا يعني امتلاك الوعي والوصول إلى المعلومة لا يعني فهمها وانتشار الخبر لا يجعله حقيقة

إن أخطر ما يهدد المجتمعات اليوم ليس نقص المعلومات وإنما غياب التفكير النقدي فالإنسان الذي يتوقف عن السؤال يصبح أكثر عرضة للتضليل مهما امتلك من وسائل المعرفة والوعي لا يقاس بعدد ما نقرأ وإنما بقدرتنا على التمييز بين الحقيقة والرأي وبين الدليل والانطباع

ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي أصبحت المسؤولية أكبر من أي وقت مضى فهذه التقنيات تفتح آفاقًا واسعة للتعليم والبحث العلمي والإبداع لكنها في الوقت نفسه تجعل التحقق من المحتوى ضرورة لا يمكن تجاهلها ولذلك لم يعد السؤال هل نستخدم التكنولوجيا بل كيف نستخدمها بما يخدم الإنسان ويحافظ على الوعي

إن بناء الإنسان يبدأ عندما نعلم أبناءنا كيف يفكرون لا ماذا يفكرون ويبدأ عندما نغرس فيهم قيمة السؤال قبل سرعة الإجابة وقيمة الدليل قبل الانفعال وقيمة الحوار قبل إصدار الأحكام فالمجتمعات القوية لا تبنى بكثرة المعلومات وإنما تبنى بعقول تعرف كيف تميز بين الحقيقة والوهم

ولهذا فإن مسؤولية بناء الوعي لا تقع على الأسرة وحدها ولا على المدرسة وحدها ولا على وسائل الإعلام وحدها بل هي مسؤولية مجتمع كامل يؤمن بأن الإنسان الواعي هو الثروة الحقيقية وأن الاستثمار في العقل هو الاستثمار الذي يبقى أثره مهما تغيرت الأزمنة

ربما لم يعد الجهل في زمن المعرفة قدرًا كما كان في الماضي بل قد يصبح قرارًا عندما نتوقف عن التعلم وعندما نستبدل البحث بالتسرع وعندما نكتفي بما يقال لنا دون أن نمنح عقولنا فرصة للتفكير لأن الأمم لا تبنى بكثرة المعلومات وإنما تبنى بالعقول التي تعرف كيف تحول المعرفة إلى وعي والوعي إلى عمل والعمل إلى مستقبل

والآن اسأل نفسك

هل تبحث عن الحقيقة أم تكتفي بما يعرض أمامك

وهل تمنح عقلك فرصة للتفكير قبل أن تمنح إصبعك فرصة للضغط على زر المشاركة

وهل ستكون جزءًا من صناعة الوعي أم مجرد متلق لما يصنعه الآخرون

لأن المستقبل لا يحدث فجأة

بل يبدأ بفكرة

ويكبر بسؤال

ويتحقق عندما يتحول الوعي إلى عمل