الخبيرة التربوية منار البطران تكتب :أزمة المعنى في .. زمن الوفرة
الأحد 19 يوليو, 2026لم يعد السؤال الذي يفرض نفسه على الإنسان اليوم هو كيف يعيش فقط بل لماذا يعيش. فالعالم لم يشهد يومًا هذا القدر من التقدم العلمي ولا هذا الحجم من التطور التكنولوجي ولا هذه السرعة في الوصول إلى المعرفة والفرص. ومع ذلك يتزايد شعور كثير من الناس بأن شيئًا ما ينقصهم رغم أن الحياة تبدو أكثر راحة مما كانت عليه في أي وقت مضى.
لقد نجح الإنسان في اختصار المسافات وتسريع الأعمال وبناء مدن أكثر تطورًا وابتكار أدوات غيرت شكل الحياة. لكنه في المقابل وجد نفسه أمام تحدٍ جديد لم يكن يتوقعه. فكلما ازدادت وسائل الراحة ازدادت الحاجة إلى ما يمنح الحياة معناها. وكأن المشكلة لم تعد في قلة الإمكانات بل في فقدان البوصلة التي تمنح الإنسان إحساسه بالغاية.
لقد تغير مفهوم النجاح بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة. فلم يعد النجاح عند كثيرين مرتبطًا بما يضيفه الإنسان إلى مجتمعه أو بما يتركه من أثر بل أصبح يقاس بحجم الإنجاز وسرعة الوصول وعدد المتابعين وكثرة المقتنيات. وتحولت الحياة عند البعض إلى سباق لا يعرف التوقف حتى أصبح الإنسان يطارد أهدافًا جديدة قبل أن يمنح نفسه فرصة الاستمتاع بما حققه. وكلما وصل إلى قمة بحث عن قمة أخرى حتى أصبح النجاح في بعض الأحيان مصدرًا للإرهاق بدلًا من أن يكون مصدرًا للطمأنينة.
وفي خضم هذا الإيقاع المتسارع تبدلت العلاقات الإنسانية. أصبح من السهل أن نتواصل مع أشخاص في أقصى العالم خلال لحظات لكن أصبح من الأصعب أن نجد الوقت الكافي للاستماع إلى من يجلسون بجوارنا. نعرف تفاصيل حياة الآخرين أكثر مما نعرف ما يدور في نفوس أقرب الناس إلينا. وكثرت وسائل التواصل لكن الحوار الصادق أصبح أقل حضورًا. ولم تعد المشكلة في غياب الاتصال بل في غياب القرب الحقيقي.
ولا يمكن إنكار أن الضغوط الاقتصادية تمثل تحديًا حقيقيًا وأن ملايين الأسر تبذل جهدًا كبيرًا لتوفير حياة كريمة. لكن اختزال معاناة الإنسان في الجانب الاقتصادي وحده يجعل الصورة ناقصة. فالتاريخ يخبرنا أن الإنسان استطاع أن يصمد أمام ظروف أشد قسوة عندما كان يؤمن بهدف يعيش من أجله. وفي المقابل قد يجد الإنسان كل أسباب الرفاهية ثم يكتشف أن السكينة لا تُشترى وأن الطمأنينة لا يمنحها المال وحده.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس نقص الموارد فقط بل تراجع الإحساس بالمعنى. لأن الإنسان عندما يفقد الغاية يتحول العمل إلى عبء ويصبح الإنجاز مجرد رقم ويتحول الوقت إلى سباق لا يعرف نهايته. أما عندما يدرك أن لحياته رسالة فإن أصعب الظروف تصبح أكثر احتمالًا ويصبح العطاء جزءًا من هويته لا مجرد واجب يؤديه.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بالمباني ولا بالمشروعات وحدها بل يبدأ بالإنسان. يبدأ بتعليم يصنع التفكير قبل الشهادة وبثقافة تعزز المسؤولية قبل الشهرة وبأسرة تغرس القيم قبل الطموحات. فكل مشروع يمكن أن ينجح لفترة لكن الإنسان الواعي هو وحده القادر على حماية هذا النجاح واستمراره.
إن الأمم التي تضع الإنسان في قلب خططها التنموية لا تبني اقتصادًا أكثر قوة فحسب بل تبني مجتمعًا أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة الأزمات. فالاقتصاد يحتاج إلى عقل مبدع والتعليم يحتاج إلى إنسان يؤمن بقيمة المعرفة والتقدم يحتاج إلى ضمير يدرك أن القوة الحقيقية لا تُقاس بما نملك فقط بل بما نصبح عليه.
وربما آن الأوان لأن نعيد طرح سؤال مختلف. لسنا بحاجة فقط إلى أن نسأل كيف نحقق مزيدًا من النمو بل كيف نصنع إنسانًا أكثر وعيًا وأكثر اتزانًا وأكثر قدرة على الحفاظ على قيمه وسط عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة. لأن التنمية التي تنجح في بناء الحجر وتفشل في بناء الإنسان تظل تنمية ناقصة مهما بلغت أرقامها.
قد تصنع الأمم ثرواتها في سنوات لكن صناعة الإنسان تحتاج إلى أجيال. وإذا خسر الإنسان معناه فلن تعوضه ثروة ولن ينقذه تقدم. لأن الحضارات لا تبدأ من الحجر بل تبدأ من الإنسان