جلد الذات ..والضغط النفسى ؟ لماذا نستهلك صحتنا وهدوءنا ..لاثبات قدرتنا على النجاح ؟!!
الجمعة 6 نوفمبر, 2026
بقلم الخبيرة التربوية منار البطران
لم يعد الضغط النفسي مجرد نتيجة لظروف الحياة الصعبة .. بل أصبح في كثير من الأحيان أسلوب حياة نمارسه ضد أنفسنا دون أن نشعر.
نطالب أنفسنا بما يفوق طاقتنا .. ونحاسبها على ما لم تستطع تحقيقه .. ونشعر بالذنب كلما اخترنا الراحة بدلًا من الاستمرار في الركض.
وكأن الإنسان لم يعد مسموحًا له أن يتعب أو يتوقف أو حتى يعترف بأنه لم يعد قادرًا.
المشكلة الحقيقية ليست في كثرة المسئوليات وحدها بل في الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا.
تربى كثيرون على أن قيمتهم تقاس بما ينجزونه .. وأن التراجع ضعف .. والراحة نوع من التقصير.
وهكذا تحولت الرغبة في النجاح إلى سباق لا يتوقف .. وأصبح البعض يستهلك صحته وهدوءه وعلاقاته فى محاولة لإثبات أنه قادر على كل شىء ..
الأخطر أن بعض الضغوط لا يفرضها علينا أحد بقدر ما نصنعها نحن داخل عقولنا ..
نبالغ في لوم أنفسنا ونقارن حياتنا بحياة الآخرين ونعيش قلقًا مستمرًا بشأن مستقبل لم يأتِ بعد.
فنخسر سلامنا في مواجهة احتمالات قد لا تحدث وننسى أن ما نملكه فعلًا هو الحاضر الذي نهدره في الخوف.
ولا يمكن التعامل مع هذه القضية باعتبارها مجرد حالة عابرة من الإرهاق .. فالضغط المستمر قد ينعكس على النوم والتركيز والصحة والعلاقات الأسرية والقدرة على اتخاذ القرارات. وقد يصبح الإنسان حاضرًا بجسده فى كل مكان بينما ذهنه غارقا في القلق وشعوره بالرضا يتراجع يومًا بعد يوم.
نحن بحاجة إلى ثقافة مختلفة تعيد للإنسان حقه في أن يكون إنسانًا لا آلة إنجاز ..
ثقافة تحترم الحدود النفسية والجسدية ولا تمجد التضحية حتى الانهيار .. فالمسؤولية لا تعني أن نحمل كل شيء وحدنا والنجاح لا يعني أن ندفع صحتنا ثمنًا له وطلب المساعدة ليس عجزًا بل وعيًا.
من هنا تبدأ أهمية التربية الحقيقية .. أن نربي أبناءنا على تقدير الجهد دون ربط قيمتهم بالدرجات أو الإنجازات فقط وأن نعلمهم أن الخطأ فرصة للتعلم وليس حكمًا بالفشل ... فالطفل الذى يكبر وهو يخشى ألا يكون كافيًا قد يتحول إلى إنسان يطارد رضا الجميع وينسى احتياجاته طوال حياته.
والسؤال الذي يجب أن نتوقف أمامه بصدق :
متى أصبحنا نعامل أنفسنا بقسوة لا نقبل أن يعاملنا بها أحد؟
لا تنتظروا لحظة الانهيار حتى تمنحوا أنفسكم حق الراحة ... ولا تجعلوا رضا الآخرين معيارًا لحياتكم. فليس مطلوبًا من الإنسان أن ينتصر في كل معركة ولا أن يثبت قدرته فى كل موقف.
قد تنجح في إرضاء الجميع وتحقق كل ما خططت له ثم تكتشف أنك خسرت أغلى ما تملك .. نفسك .. وحينها لن تعوضك كل الإنجازات عن إنسان أرهقته حتى لم يعد يعرف كيف يعيش بسلام