د. شيماء صبحي الصحة النفسية ليست رفاهية.. والأسرة المستقرة تبدأ بإنسان متوازن
الاثنين 2 نوفمبر, 2026حوار : إبراهيم عمران
لم تعد الصحة النفسية رفاهية أو قضية تخص فئة بعينها، بل أصبحت ضرورة أساسية لبناء الإنسان واستقرار الأسرة وتماسك المجتمع، خاصة في ظل الضغوط الحياتية المتزايدة، وتراجع لغة الحوار داخل بعض الأسر، وتنامي الخلافات الزوجية، وتأثير التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي على العلاقات الإنسانية وتكوين شخصية الأطفال والمراهقين.
فخلف كثير من المشكلات الأسرية والسلوكيات المضطربة تختبئ أزمات نفسية تحتاج إلى الفهم والاحتواء والتعامل العلمي، وليس إلى الإنكار أو إصدار الأحكام. كما أن غياب الوعي بطبيعة العلاقات الإنسانية قد يحول الخلافات البسيطة إلى أزمات معقدة تهدد استقرار الأسرة وتؤثر في الأجيال الجديدة.
وفي هذا السياق، تفتح ملف الصحة النفسية والإرشاد الأسري، من خلال حوار مع الدكتورة شيماء صبحي، استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري، والمتخصصة في الإرشاد الزواجي وتعديل السلوك والعلاج المعرفي السلوكي، والتي تعمل على نشر الوعي النفسي والاجتماعي من خلال الاستشارات والبرامج التدريبية والمقالات والمحتوى الرقمي، إلى جانب مشروعها الإعلامي «وجع الروح».
وتكشف خلال الحوار عن أبرز أسباب الأزمات الزوجية، ومخاطر التعلق المرضي والعلاقات السامة، وسبل حماية الأطفال من الاضطرابات السلوكية، وأهمية التأهيل النفسي للمقبلين على الزواج، مؤكدة أن بناء أسرة مستقرة يبدأ بإنسان يعرف نفسه ويحترم مشاعره ويستطيع إدارة خلافاته بصورة واعية. والي نص الحوار
كيف تقيمين أهمية الصحة النفسية في المجتمع حاليًا؟
الصحة النفسية أصبحت ضرورة لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، لأنها تؤثر في قدرة الإنسان على العمل والإنتاج واتخاذ القرارات وبناء علاقات إنسانية سليمة. فالإنسان المتوازن نفسيًا يكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط والتعامل مع الأزمات دون أن تتحول إلى مشكلات تؤثر في حياته وأسرته.
ومن المفاهيم الخاطئة أن الاهتمام بالصحة النفسية يقتصر على المصابين باضطرابات شديدة، بينما الحقيقة أن كل إنسان يحتاج إلى فهم ذاته وإدارة مشاعره والتعامل مع مخاوفه وإحباطاته بصورة صحية.
وأرى أن نشر الثقافة النفسية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات المجتمعية، لأن بناء الإنسان لا يتحقق بالتعليم والمهارات المهنية فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى بناء الشخصية وتعزيز الثقة بالنفس والقدرة على التواصل واحترام الآخرين.
ما أبرز المفاهيم المغلوطة التي تواجهينها؟
أبرزها اعتبار طلب المساعدة النفسية دليلًا على الضعف، والاعتقاد بأن الصمت والتجاهل كفيلان بحل المشكلات. كما يخلط البعض بين الحب والتعلق المرضي، وبين التسامح وقبول الإيذاء، وبين الصبر والتنازل عن الكرامة والحقوق.
نحتاج إلى تصحيح هذه المفاهيم، وتوعية الناس بأن الاعتراف بالمشكلة والبحث عن حل لها يعكسان النضج والمسؤولية، وأن التدخل المبكر يساعد على منع تفاقم كثير من الأزمات النفسية والسلوكية.
ما أبرز أسباب المشكلات الزوجية في الوقت الراهن؟
تتعدد أسباب الخلافات الزوجية، ويأتي في مقدمتها ضعف التواصل وغياب الحوار الحقيقي، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والتدخلات الخارجية واختلاف التوقعات بين الزوجين.
فبعض الأزواج يعيشون تحت سقف واحد، لكن كل طرف منهم يعيش في عالم منفصل، ولا يجد مساحة آمنة للتعبير عن احتياجاته ومشاعره. كما أن استخدام الإهانة والتهديد والصمت العقابي يحول الخلاف الطبيعي إلى أزمة تهدد العلاقة.
وأؤكد أن نجاح الزواج لا يعني غياب الخلافات، وإنما القدرة على إدارتها باحترام ونضج، دون المساس بكرامة أي طرف.
هل الحب وحده يكفي لاستمرار الزواج؟
الحب عنصر أساسي، لكنه لا يكفي وحده، فالزواج يحتاج إلى التفاهم والاحترام والثقة وتحمل المسؤولية والقدرة على استيعاب الاختلاف.
العلاقة الصحية لا تقوم على السيطرة أو إلغاء شخصية الطرف الآخر، وإنما على المشاركة والتقدير والاهتمام المتبادل. كما أن تجديد المشاعر والحوار المستمر والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة عناصر مهمة للحفاظ على استقرار الحياة الزوجية.
كيف نتعامل مع العلاقات السامة والتعلق المرضي؟
العلاقات السامة قد تبدأ بمشاعر طبيعية، ثم تتحول إلى علاقة تستنزف الإنسان نفسيًا، خاصة عندما تتضمن التحكم والابتزاز العاطفي والتقليل المستمر من قيمة الطرف الآخر والعزل عن الأسرة والأصدقاء.
أما التعلق المرضي فيرتبط أحيانًا بالخوف من الفقد والرفض، فيصبح الإنسان مستعدًا لتحمل الإهانة خوفًا من انتهاء العلاقة.
والتعامل مع هذه الحالات يبدأ بإدراك طبيعة العلاقة، واستعادة تقدير الذات، ووضع حدود صحية، والاستعانة بالدعم النفسي المتخصص عندما تستدعي الحالة ذلك.
هل يمكن أن يكون الطلاق بداية جديدة؟
الطلاق ليس نجاحًا مطلقًا أو فشلًا مطلقًا، وإنما قرار يحتاج إلى دراسة وتقييم لطبيعة العلاقة ومدى إمكانية إصلاحها. فهناك خلافات يمكن احتواؤها بالإرشاد الزواجي والحوار، وهناك علاقات يصبح استمرارها مصدرًا للأذى النفسي أو الجسدي.
ولا ينبغي الضغط على أي طرف للاستمرار في علاقة مؤذية تحت شعار الحفاظ على الأسرة، كما يجب عدم التسرع في الانفصال بسبب خلافات قابلة للحل.
والأهم بعد الانفصال هو إعادة بناء الحياة، واستعادة الثقة بالنفس، والحفاظ على حقوق الأبناء وإبعادهم عن الصراعات.
ما أبرز التحديات النفسية والسلوكية التي تواجه الأطفال والمراهقين؟
يواجه الأطفال والمراهقون تحديات متعددة، من بينها القلق والعزلة وضعف الثقة بالنفس والعناد والسلوك العدواني وصعوبات التواصل، فضلًا عن التأثير المتزايد للتكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي.
ومن الأخطاء الشائعة تفسير كل سلوك غير مرغوب فيه باعتباره سوء تربية أو عنادًا، بينما قد يكون السلوك تعبيرًا عن احتياج نفسي أو مشكلة تحتاج إلى تقييم متخصص.
فالطفل يحتاج إلى الاحتواء والاستماع، والمراهق يحتاج إلى مساحة للحوار واحترام شخصيته، مع وجود حدود واضحة تساعده على تحمل المسؤولية.
ما تأثير التكنولوجيا على الصحة النفسية للأطفال؟
التكنولوجيا تحمل فرصًا للتعلم والتواصل، لكنها قد تتحول إلى مصدر للمشكلات عندما يغيب التوازن والوعي. فالاستخدام المفرط للأجهزة قد يؤثر في النوم والنشاط البدني والتفاعل الاجتماعي، كما قد يعرض الأطفال للتنمر الإلكتروني أو المحتوى غير المناسب لأعمارهم.
ولذلك يجب على الأسرة متابعة طبيعة المحتوى الذي يتعرض له الأبناء، ووضع قواعد واضحة للاستخدام، وتوفير بدائل مثل الرياضة والقراءة والأنشطة الاجتماعية.
كيف يمكن اكتشاف الاضطرابات السلوكية والتعامل معها؟
من المؤشرات التي تستحق الانتباه التغير المفاجئ في السلوك، والانسحاب الاجتماعي، واضطرابات النوم، والتراجع الدراسي الملحوظ، ونوبات الغضب المتكررة.
لكن ظهور مؤشر واحد لا يعني بالضرورة وجود اضطراب، ولذلك يجب تقييم الحالة وفق عمر الطفل وظروفه ومدة استمرار السلوك وتأثيره في حياته.
أما تعديل السلوك فيعتمد على فهم أسباب المشكلة، وتحديد السلوك المستهدف، وتعزيز البدائل الإيجابية، ومتابعة التقدم بصورة منتظمة، مع ضرورة تعاون الأسرة مع المتخصصين.
وماذا عن السلوكيات الجنسية المضطربة؟
هذه موضوعات تحتاج إلى التعامل معها بمسؤولية وسرية بعيدًا عن الوصم أو الأحكام المسبقة. ويجب أولًا فهم طبيعة السلوك وأسبابه، والتمييز بين السلوكيات المرتبطة بمراحل النمو وبين الحالات التي تحتاج إلى تقييم متخصص.
وقد تتطلب بعض الحالات برامج للدعم النفسي وتعديل السلوك والعلاج المعرفي السلوكي، وفق طبيعة كل حالة.
كما يجب توعية الأطفال بخصوصية أجسادهم وحدود التعامل الآمن، وتعليمهم التعبير عن أي موقف يسبب لهم الخوف أو الانزعاج.
ما أهمية العلاج المعرفي السلوكي في التعامل مع المشكلات النفسية؟
العلاج المعرفي السلوكي يقوم على فهم العلاقة بين الأفكار والمشاعر والسلوكيات، وكيف تؤثر طريقة تفكير الإنسان في تفسير المواقف والتعامل معها.
فقد يتعرض شخصان للموقف نفسه، لكن تختلف استجابتهما نتيجة اختلاف أفكارهما وخبراتهما السابقة. ويساعد هذا الأسلوب على التعرف على أنماط التفكير غير المفيدة وتطوير طرق أكثر توازنًا لمواجهة الضغوط وتنظيم الانفعالات.
كيف يمكن بناء الثقة بالنفس وتقدير الذات؟
ضعف الثقة بالنفس قد ينتج عن تراكم تجارب سلبية، مثل النقد المستمر والمقارنة والتقليل من القدرات، وقد يرتبط بالخوف من الرفض أو السعي الدائم لإرضاء الآخرين.
وبناء الثقة يبدأ بإدراك الإنسان لنقاط قوته وضعفه، والتعامل مع الأخطاء باعتبارها فرصًا للتعلم، ووضع أهداف واقعية، وعدم ربط قيمته الشخصية برأي الآخرين.
وهناك فرق بين تقدير الذات والغرور؛ فتقدير الذات يعني احترام الإنسان لنفسه وللآخرين، بينما الغرور يرتبط بالاستعلاء ورفض النقد وعدم الاعتراف بالأخطاء.
ما أهمية التأهيل النفسي للمقبلين على الزواج؟
التأهيل النفسي للمقبلين على الزواج ضرورة مهمة، لأن الزواج مسؤولية وشراكة تحتاج إلى استعداد نفسي واجتماعي، وليس مجرد ارتباط واحتفال.
ويجب أن يتعرف الشباب إلى مهارات التواصل وإدارة الخلافات، وكيفية التعامل مع المسؤوليات المالية والتدخلات الأسرية وتربية الأبناء، وأهمية الخصوصية والاحترام المتبادل.
فالتأهيل لا يمنع الخلافات تمامًا، لكنه يمنح الزوجين أدوات تساعدهما على التعامل معها بصورة أكثر نضجًا.
لديك عدد من المشروعات والمؤلفات.. ما أبرز الموضوعات التي تتناولينها؟
أهتم بالتأليف في مجالات الصحة النفسية والعلاقات الإنسانية والأسرة، ومن بين مشروعاتي «أطفال أصحاء نفسيًا وسلوكيًا»، و«حياتك اختيارك»، و«الراحة والصحة النفسية»، و«زوجات تحت الطلب»، و«التقبل بين الأزواج»، و«طلاقي سر نجاحي»، و«علاقات مؤلمة».
وتركز هذه الموضوعات على فهم الذات، والتربية السليمة، والتعامل مع المشكلات الزوجية، وبناء العلاقات الصحية، والتعامل مع الأزمات النفسية والسلوكية.
كما أحرص على تقديم محتوى نفسي واجتماعي عبر منصات التواصل، بلغة بسيطة قريبة من الناس، مع التأكيد على أن المحتوى التوعوي لا يغني عن التشخيص والعلاج المتخصصين.
وماذا عن مشروعك الإعلامي «وجع الروح»؟
ينطلق البرنامج من فكرة إنسانية، وهي أن وراء كل إنسان حكاية قد لا يعرف الآخرون تفاصيلها، وأن كثيرًا من الآلام النفسية والاجتماعية تظل مخفية خلف المظاهر اليومية.
أسعى من خلاله إلى مناقشة أوجاع الإنسان ومشكلاته وعلاقاته بصورة واعية، وفتح مساحات للحوار حول القضايا التي يحتاج المجتمع إلى فهمها، مع تقديم رسائل توعوية تساعد على طلب المساعدة المتخصصة عند الضرورة.
ما رسالتك الأخيرة للأسرة المصرية؟
رسالتي أن الأسرة تحتاج إلى استعادة قيمة الحوار والاحتواء والاهتمام المتبادل. فالتربية ليست توفير الطعام والملبس والتعليم فقط، وإنما بناء شخصية الأبناء وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على التفكير وتحمل المسؤولية.
وأدعو الزوجين إلى احترام الاختلاف وعدم تحويل الخلافات إلى معارك، كما أدعو كل إنسان إلى الاهتمام بصحته النفسية وعدم الخجل من طلب المساعدة.
فالمجتمع القوي يبدأ بأسرة متماسكة، والأسرة المتماسكة تبدأ بأفراد يتمتعون بالوعي والاحترام والاتزان النفسي.