الشرق الأوسط على حافة الانفجار… هل يُدفَع لبنان مجدداً إلى قلب الحرب؟
الأحد 25 أكتوبر, 2026بقلم د. ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي
ترامب يلوّح بضرب إيران، ونتنياهو يرفع سقف التهديدات، وطهران تتوعّد بردّ قد يطال إسرائيل والقواعد الأميركية ودول الخليج. وبين التهديد والردّ، تقف المنطقة أمام احتمال مواجهة واسعة، لكنّ السؤال الذي يجب أن يشغل اللبنانيين ليس فقط: هل ستندلع الحرب؟ بل هل سيُترَك لبنان خارجها، أم سيُدفَع مجدداً إلى دفع ثمن صراع لا يملك قرار بدايته ولا نهايته؟
لبنان ليس بعيداً عن هذه المواجهة؛ فموقعه وترابط جبهاته مع الصراع الإقليمي يجعلان أيّ تصعيد بين إيران وإسرائيل مصدر خطر مباشر عليه. وإذا اندلعت حرب واسعة، فقد تتحوّل الجبهة اللبنانية إلى إحدى ساحاتها، وتتعرّض مناطق لبنانية للضربات والدمار والنزوح، فيما تُستنزف دولة تعاني أصلاً من أزمات عميقة. وقد لا يحتاج لبنان إلى أن يقرّر دخول الحرب كي يجد نفسه في قلبها؛ فقد تكفي ضربة أو ردّ أو قرار تتخذه جهة أخرى لجرّه إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
هنا تكمن خطورة اللحظة، الحرب على إيران قد تتحوّل إلى حرب على لبنان، حتى لو لم يكن اللبنانيون يريدونها. ولهذا لا يجوز للسياسيين التعامل مع التصعيد كأنّه خبر خارجي، ولا الاكتفاء بانتظار ما ستقرّره واشنطن أو تل أبيب أو طهران. المطلوب هو الاستعداد لمنع انتقال النار إلى الداخل اللبناني، لا انتظار اشتعالها ثم إطلاق النداءات والاستغاثات.
أمّا الحديث عن حرب نووية، فلا توجد أدلّة مؤكّدة على اتخاذ قرار باستخدام السلاح النووي. لكنّ اتّساع المواجهة وسوء الحسابات قد يفتحان الباب أمام أخطار كارثية. وفي كلّ الأحوال، سيكون لبنان من البلدان الأكثر عرضة للتداعيات إذا توسّعت الحرب، سواء عبر القصف أو النزوح أو تعطّل الاقتصاد والخدمات الأساسية.
من هنا، تصبح مسؤولية السياسيين اللبنانيين امتحاناً وطنياً لا يحتمل المواربة. هل يتفقون على حماية لبنان، أم يتركونه رهينة اصطفافاتهم وحساباتهم؟ وهل يملكون الشجاعة لاتخاذ موقف واضح قبل أن تُفرض الوقائع على الأرض؟
إنّ المطلوب عملياً هو إعلان التزام وطني بتحييد لبنان عن الحرب الإقليمية، ورفض استخدام أراضيه منطلقاً للهجمات أو ساحة لتصفية الحسابات، وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية للدولة، وتفعيل الاتصالات الدبلوماسية العاجلة مع الدول المعنية لمنع الاعتداءات والتصعيد. كما يجب تعزيز دور الجيش في حماية الحدود والمدنيين، ووضع خطط جدية للطوارئ والإغاثة، وتوحيد الموقف اللبناني حول أولوية حماية البلاد.
والحياد هنا لا يعني الاستسلام لإسرائيل، ولا التخلي عن الحقوق الوطنية أو العربية؛ بل يعني ألّا يُفرَض على اللبنانيين خوض حرب لا يقرّرون أهدافها ولا يملكون وحدهم وقفها. فالدفاع عن السيادة يبدأ بمنع تحويل الوطن إلى ساحة مفتوحة، وبامتلاك الدولة قرارها وقدرتها على حماية شعبها.
أما السياسي الذي يهوّن من مخاطر الحرب، أو يقدّم حسابات المحاور على سلامة اللبنانيين، فعليه أن يجيب بوضوح: من يتحمّل مسؤولية البيوت المدمّرة، والناس الذين يُهجَّرون، والاقتصاد الذي ينهار، إذا اشتعلت الجبهة اللبنانية؟ لا تكفي الشعارات لتبرير النتائج، ولا تعوّض الخطب أرواح الضحايا.
لبنان ليس تفصيلاً في الحرب على إيران، وليس ورقة تفاوض في يد أحد. وكلّ يوم يتأخر فيه التوافق على سياسة تحميه، يزداد خطر أن يصبح قراره بيد التصعيد لا بيد الدولة.
الشرق الأوسط يقف أمام مفترق خطير، ولبنان أمام امتحان وجودي، إمّا أن يتحرّك سياسيّوه الآن لحماية البلاد وتحصينها، وإمّا أن ينتظروا حتى تفرض الحرب أثمانها على شعب أنهكته الأزمات.
إنّ منع الحرب عن لبنان يبدأ قبل إطلاق الصاروخ الأول، لا بعد سقوط الضحايا. والسياسة التي لا تضع سلامة الوطن فوق حسابات المحاور، تخاطر بأن تتركه مرة أخرى وحيداً في مواجهة النار.