لبنان بين طاولة المفاوضات وشبح الحرب… مَن يضمن ألّا يدفع الشعب الثمن مجدّداً؟
الخميس 22 أكتوبر, 2026بقلم :- د. ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي
يقف لبنان اليوم أمام مرحلة دقيقة تتقاطع فيها المفاوضات المتعلقة بالجنوب مع التوترات الإقليمية، فيما يبقى المواطن اللبناني أسير القلق من مستقبل لا يعرف إلى أين يقوده. فبين الوعود الدبلوماسية واحتمالات التصعيد العسكري، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع الدولة اللبنانية انتزاع ضمانات حقيقية تحمي أرضها وشعبها، أم سيجد اللبنانيون أنفسهم مجدّداً يدفعون ثمن صراعات تتجاوز قدرتهم على التأثير في قراراتها؟
إنّ المفاوضات، مهما تعدّدت عناوينها وارتفعت سقوفها، لا تكتسب قيمتها من انعقاد الاجتماعات أو صدور البيانات، بل من النتائج التي تحقّقها على الأرض. فالمواطن الجنوبي لا يريد سماع المزيد من التصريحات، بل يريد أن يعود إلى منزله آمناً، وأن يزرع أرضه من دون خوف، وأن يطمئن إلى أنّ قريته لن تتحوّل مجدّداً إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
لكنّ السؤال الأخطر هو مَن يضمن تنفيذ الاتفاقات، ومَن يحمي لبنان إذا فشلت المفاوضات؟
لا يمكن بناء سياسة وطنية على الانتظار وحده، ولا يجوز أن تبقى الدولة في موقع المتلقّي لتداعيات القرارات الإقليمية. فلبنان يحتاج إلى موقف واضح يستند إلى سيادته، وإلى مؤسسات قادرة على حماية المواطنين، وإلى دبلوماسية تتحرّك وفق استراتيجية وطنية محدّدة، لا وفق ردود الفعل على الأحداث.
وفي المقابل، فإنّ أيّ تصعيد إقليمي قد يضع لبنان أمام استحقاقات خطيرة، خصوصاً إذا اتّسعت المواجهة بين إسرائيل وإيران، أو تداخلت الجبهات الإقليمية بعضها ببعض. وعندها، لن تكون الخسائر محصورة في الميدان العسكري؛ بل ستمتدّ إلى الاقتصاد، والاستثمارات، وفرص العمل، وإعادة الإعمار، وما تبقّى من قدرة اللبنانيين على تحمّل الأزمات.
وهنا تكمن مسؤولية السلطة السياسية، ليس كافياً أن تعلن الدولة تمسّكها بالسيادة، بل عليها أن تترجم هذا الموقف إلى خطوات عملية، وأن تضع المواطنين أمام الحقائق، وأن تشرح بوضوح ما الذي يجري التفاوض عليه، وما الضمانات المطلوبة، وما البدائل المتاحة إذا تعثّرت الجهود الدبلوماسية.
كما أنّ المجتمع الدولي، الذي يتحدّث باستمرار عن الاستقرار واحترام القرارات الدولية، مطالب بأن يثبت أنّ هذه المبادئ ليست مجرّد شعارات، وأنّ حماية المدنيين واحترام سيادة الدول لا يخضعان لموازين القوى أو للمصالح المتبدّلة.
لبنان لا يحتاج إلى هدنة مؤقّتة تخفي وراءها انفجاراً جديداً، بل يحتاج إلى سلام مستدام يحمي أرضه ويعيد للدولة قرارها.
والسلام الحقيقي لا يتحقّق بفرض الوقائع على اللبنانيين، ولا بترك الجنوب رهينة التهديدات، ولا بإبقاء البلاد في حالة استنفار دائم. إنّه يحتاج إلى ضمانات قابلة للتنفيذ، ورقابة جدّية، والتزام واضح بحماية المدنيين، وانسحاب من الأراضي اللبنانية التي تحتلّها إسرائيل، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على القيام بمسؤولياتها.
وفي الداخل، لا بدّ من مصارحة اللبنانيين بحقيقة الوضع، بعيداً عن التهويل والتطمين الكاذب. فالشعب الذي تحمّل الانهيار المالي، وفقدان مدّخراته، وتراجع قدرته الشرائية، لا يستطيع أن يتحمّل حرباً جديدة أو مغامرات غير محسوبة. ومن حقّه أن يعرف من يقرّر مصيره، ومن يتحمّل مسؤولية القرارات المصيرية، وكيف ستُحمى مصالحه إذا تبدّلت الظروف.
إنّ الدولة ليست مجرّد مؤسسات وأسماء ومناصب؛ الدولة هي القدرة على حماية المواطن، وصون كرامته، ومنع تحويل وطنه إلى ساحة لتصفية الحسابات.
أمام لبنان فرصة لا يجوز إضاعتها..تحويل المفاوضات إلى ضمانات فعلية، وتحويل الدعم الدولي إلى حماية ملموسة، وتحويل الخوف الشعبي إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للدولة والسيادة.
فهل تنجح السلطة في انتزاع هذه الضمانات، وتضع مصلحة لبنان فوق كلّ اعتبار، أم يبقى اللبنانيون ينتظرون نتائج قرارات لا يشاركون في صنعها، ويستعدّون لدفع أثمانها من أمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم؟
إنّ التاريخ لا يُحاسب الدول على عدد الاجتماعات التي عقدتها، بل على ما حقّقته لشعوبها. ولبنان اليوم يحتاج إلى نتائج، لا إلى وعود؛ وإلى دولة تحميه، لا إلى بلد ينتظر ما ستقرّره عنه القوى الأخرى.
فإلى متى يبقى الشعب اللبناني يدفع الثمن، فيما يبقى مصير وطنه معلّقاً بين طاولة المفاوضات وشبح الحرب؟