الشيء الذي لا نراه لكنه يعرف عنا كل شيء

الأربعاء 14 أكتوبر, 2026

بقلم المهندس محمد دياب
عضو  المنتدى العالمي للدراسات المستقبلية

نستيقظ كل صباح ونمسك هواتفنا دون أن نفكر كثيرًا فيما يحدث خلف الشاشة. نبحث عن معلومة ونشاهد فيديو ونضغط إعجابًا ونشتري منتجًا ونبحث عن مكان جديد ثم نغلق الهاتف ونكمل يومنا بشكل طبيعي. لكن هل فكرنا يومًا في كمية المعلومات التي تركناها خلفنا خلال هذه الساعات؟

قد نعتقد أن كل نقرة مجرد نقرة وأن كل بحث مجرد بحث وأن كل مشاهدة مجرد لحظة عابرة. لكن الحقيقة أن العالم الرقمي أصبح قادرًا على تحويل هذه التفاصيل الصغيرة إلى صورة أكبر عن اهتماماتنا وعاداتنا وطريقة استخدامنا للتكنولوجيا.

وهنا يبدأ السؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعًا.

هل نحن من يستخدم التكنولوجيا أم أن التكنولوجيا أصبحت تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا؟

لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة نستخدمها عند الحاجة. لقد أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية. الهاتف أصبح وسيلة للتعلم والتواصل والعمل والترفيه والتسوق وحتى اتخاذ بعض القرارات. ومع كل استخدام نترك آثارًا رقمية قد تساعد الخدمات التي نستخدمها على فهم اهتماماتنا وتقديم محتوى أو اقتراحات أكثر توافقًا معنا.

قد يبدو ذلك مريحًا جدًا. فعندما نبحث عن منتج تظهر لنا منتجات مشابهة وعندما نهتم بموضوع معين نجد المزيد من المحتوى المرتبط به. هذه التكنولوجيا توفر الوقت وتجعل التجربة أكثر سهولة.

لكن الراحة لا يجب أن تجعلنا نتوقف عن طرح الأسئلة.

ماذا يحدث لبياناتنا؟

من يستطيع الوصول إليها؟

كيف يتم استخدامها؟

وهل نعرف فعلًا ما الذي وافقنا عليه عندما نضغط على كلمة موافق؟

هذه الأسئلة لم تعد تخص خبراء التكنولوجيا وحدهم. إنها أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية وتخص كل شخص يستخدم الإنترنت.

والأمر لا يتعلق فقط بالخصوصية. هناك قضية أكبر وهي تأثير التكنولوجيا على اختياراتنا. عندما تتعلم الأنظمة الرقمية من الأشياء التي نشاهدها ونبحث عنها ونفضلها فإنها تستطيع تقديم محتوى أكثر قربًا من اهتماماتنا. وهذا قد يكون مفيدًا في كثير من الأحيان لكنه يجعلنا بحاجة إلى وعي أكبر بما نراه وكيف يؤثر فينا.

فالإنسان يتأثر بما يتكرر أمامه. وما نشاهده كل يوم يمكن أن يؤثر في أفكارنا واهتماماتنا وحتى في الطريقة التي ننظر بها إلى العالم.

ومن هنا يأتي الدور الحقيقي للأسرة والمدرسة.

لم يعد كافيًا أن نعلم أبناءنا كيفية استخدام الهاتف أو التطبيقات. يجب أن نعلمهم كيف يستخدمون التكنولوجيا بوعي. يجب أن يعرف الطفل أن خصوصيته لها قيمة وأن بياناته ليست شيئًا بسيطًا يمكن مشاركته دون تفكير وأن الصورة التي ينشرها اليوم قد تبقى موجودة في العالم الرقمي لفترة طويلة.

كما يجب أن يتعلم أن التكنولوجيا أداة وليست بديلًا عن التفكير.

نحن لا نحتاج إلى جيل يخاف من التكنولوجيا. نحن نحتاج إلى جيل يفهمها.

جيل يعرف كيف يستفيد من الذكاء الاصطناعي دون أن يتوقف عن التفكير بنفسه. ويعرف كيف يستخدم الإنترنت دون أن يتخلى عن خصوصيته. ويعرف كيف يستمتع بالمحتوى الرقمي دون أن يسمح له بأن يحدد له كل ما يفكر فيه ويريده.

المستقبل لن يكون لمن يملك التكنولوجيا فقط. المستقبل سيكون لمن يستطيع استخدامها بوعي ومسؤولية.

ولهذا ربما يجب أن نغير السؤال.

بدلًا من أن نسأل فقط ماذا تستطيع التكنولوجيا أن تفعل لنا؟

علينا أن نسأل أيضًا:

ماذا تستطيع التكنولوجيا أن تعرف عنا؟

والأهم من ذلك كله:

هل نحن مستعدون لأن نعرف الإجابة؟

لأن أخطر شيء في العالم الرقمي ليس أن التكنولوجيا تعرف الكثير عنا.

الأخطر هو أن نعيش وسط كل هذه التكنولوجيا دون أن نعرف نحن كيف نحمي أنفسنا ونحمي أبناءنا ونحافظ على حقنا في الاختيار