ترامب وأمن الخليج؟! فاتورة سراب الحماية الأمريكية.. مئات المليارات دفعت مقابل أمن لم يتحقق؟ وهل حوّل ترامب هواجس السعودية والإمارات الأمنية إلى واحدة من أكبر الصفقات الاقتصادية والعسكرية في التاريخ؟

الاثنين 12 أكتوبر, 2026

بقلم : محمد فاروق

هل يمكن أن تنفق دول الخليج مئات المليارات من الدولارات على الاستثمارات وصفقات السلاح والشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة ثم تظل أراضيها ومنشآتها الحيوية عرضة للصواريخ والطائرات المسيرة؟

هذا السؤال يزداد إلحاحًا مع استمرار التهديدات الإيرانية والحوثية ويعيد فتح ملف العلاقة الأمنية بين واشنطن والرياض وأبوظبي ودول الخليج خصوصًا في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي جعل الصفقات والاستثمارات الخليجية أحد أبرز عناوين سياسته الخارجية وأحد مصادر قوة الاقتصاد الأمريكي.

في مايو 2025 وخلال زيارة ترامب إلى السعودية أعلنت واشنطن أن الرياض قدمت التزامًا مالياً باستثمار نحو 600 مليار دولار في الولايات المتحدة بالتزامن مع إعلان الإدارة الأمريكية عن حزمة مبيعات دفاعية وتعاون عسكري بقيمة تقارب 142 مليار دولار وصفتها بأنها الأكبر من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة.

والرقمان صحيحان رسميًا لكنهما لا يعنيان أن السعودية دفعت 742 مليار دولار لترامب مقابل الحماية وهنا تكمن المفارقة المحيرة . فالـ600 مليار دولار التزام استثماري وشراكات اقتصادية بينما الـ142 مليار دولار حزمة دفاعية تشمل معدات وقدرات وخدمات ودعمًا وتدريبًا وليست مبلغًا نقديًا دُفع دفعة واحدة أو أسلحة سُلّمت بالكامل في ذلك اليوم.

وهنا تبدأ القضية الحقيقية.

سلاح بمليارات.. وأمن هش تحت الاختبار اليومي!!

السعودية والإمارات من أكبر مستوردي الأسلحة في العالم والولايات المتحدة هي المورد الأكبر للسعودية خلال السنوات الأخيرة.

ووفق أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «SIPRI» استحوذت الولايات المتحدة خلال 2021–2025 على 77% من واردات السعودية من الأسلحة الرئيسية وعلى 42% من واردات الإمارات. 

كما كانت السعودية ثالث أكبر مستورد للأسلحة الرئيسية عالميًا خلال الفترة نفسها لكن امتلاك أحدث الطائرات والصواريخ والرادارات لا يعني بالضرورة امتلاك حماية مطلقة وأمن واقعي .

والدليل الأبرز جاء من اليمن.

فمنذ تدخل التحالف الذي قادته السعودية في الحرب اليمنية عام 2015 امتلكت السعودية والإمارات تفوقًا هائلًا في الطائرات والذخائر والتكنولوجيا والقدرات المالية والعسكرية مقارنة بالحوثيين ومع ذلك لم تنته الحرب بانتصار عسكري حاسم ولم تختفِ القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة للحوثيين، بل تحولت هذه الأسلحة منخفضة التكلفة إلى تهديد استراتيجي لدول الخليج.

أرامكو.. إنذار مبكر

كانت هجمات منشآت أرامكو في سبتمبر 2019 لحظة كاشفة فالهجوم أظهر أن منظومات الدفاع المتقدمة والمكلفة لا تستطيع ضمان منع كل طائرة مسيرة أو صاروخ من الوصول إلى هدف حساس.


وهنا تظهر واحدة من أخطر مفارقات الحروب الحديثة عجبا !

قد ينفق المهاجم مبالغ محدودة على طائرة مسيرة بينما يضطر المدافع إلى استخدام رادارات ومنظومات اعتراض وصواريخ باهظة التكلفة لمواجهتها.

المشكلة إذن ليست أن الأسلحة الأمريكية «لا تعمل» فهذا غير صحيح فقد نجحت الدفاعات السعودية في اعتراض أعداد كبيرة من الصواريخ والمسيرات.

لكن السؤال هو...
هل تتناسب الحماية التي تحققت فعليًا مع حجم الأموال التي أنفقت على منظومة التسليح والدعم والتعاون الأمني؟

ونأتي للسؤال الأهم أين تذهب مليارات صفقات السلاح؟

من الخطأ اعتبار قيمة صفقة السلاح مساوية لقيمة الطائرات والصواريخ التي تصل إلى الدولة المشترية.

فنظام المبيعات العسكرية الأمريكية FMS يشمل المعدات، والتدريب، وقطع الغيار، والصيانة، والدعم الفني واللوجستي وخدمات أخرى مرتبطة ببناء قدرة عسكرية مستدامة.

وبعض التقارير الدبلوماسية تقول أن 70% من قيمة جميع الصفقات السعودية أو الإماراتية تذهب للتدريب والصيانة؛ ولذلك فإن النسبة لا ينبغي تقديمها كحقيقة ثابتة.

والأمر نفسه ينطبق على بيانات SIPRI: فمؤشر TIV الذي يستخدمه المعهد لقياس عمليات نقل الأسلحة لا يمثل السعر المالي الحقيقي للصفقة ولا الأموال التي دفعتها الدولة ولذلك لا يجوز تحويله مباشرة إلى دولارات أو اعتباره إنفاقًا عسكريًا فعليًا.

هل كانت حماية العروش الملكية هي الصفقة الحقيقية لهذةالمليارات ؟

هنا يصبح السؤال سياسيًا أكثر منه حسابيًا.

الولايات المتحدة تبيع للخليج كميات هائلة من الأسلحة وتقدم التدريب والدعم الفني والخدمات اللوجستية بينما تستفيد الشركات والاقتصاد الأمريكي من صفقات واستثمارات ضخمة في مجالات صناعية أخري .

وفي المقابل يحافظ الملوك والأمراء علي عروشهم ولكن دول الخليج مهددة ولا تزال السعودية والإمارات تواجهان تهديدات صاروخية ومسيرات  من خصوم أقل تفوقًا في الإمكانات التقليدية.

وهذا لا يعني أن واشنطن وعدت بحماية مطلقة أو أنها مسؤولة عن منع كل هجوم لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا:

هل حصل الخليج على مستوى الأمن الذي يتناسب مع حجم فاتورة التسليح والشراكة الأمنية؟

ربما لا يكون الوصف الأدق هو أن ترامب «سرق أكثر من 700 مليار دولار من السعودية وما يوازيهم من باقي دول الخليج » فهذا الرقم يمثل التزامًا استثماريًا وليس أموالًا دُفعت له شخصيًا وهذا ذكاء ودهاء يحسب له. 

ومن المؤكد أن واشنطن استطاعت في عهد ترامب استغلال الهواجس المختلفة عند قادة الخليج لتعظيم القيمة الاقتصادية والسياسية وتوطيد العلاقة مع الخليج في وقت دفعت فيه السعودية والإمارات مليارات الدولارات للحصول على أسلحة وقدرات دفاعية وشراكة أمنية متقدمة لم تسفر عن أي نجاحات علي أرض الواقع .

وهنا يجب أن يكون السؤال الخليجي أكثر صراحة:

ليس كم أنفقنا على السلاح وإنما ماذا حصلنا في المقابل؟

فالحرب الحديثة أثبتت أن امتلاك الطائرات المتطورة والصواريخ والرادارات لا يساوي بالضرورة الأمن.

وقد تكون الرسالة الأهم من تجربة اليمن وهجمات المسيرات والصواريخ هي أن شراء السلاح بكميات هائلة لا يعني شراء الحماية المطلقة.

وفي النهاية فإن الاختبار الحقيقي لأي تحالف دفاعي ليس حجم الصفقات المعلنة ولا عدد الطائرات والأسلحة التي تم شراؤها وإنما قدرته على حماية الأرض والمنشآت والمواطنين عندما يبدأ الخطر الحقيقي.

ونصيحتي هنا تحديدًا يجب على دول الخليج أن تعيد حساب المعادلة: 
كم دفعت؟ 
وكم استفادت؟ 
وهل كانت فاتورة الحماية الأمريكية تساوي فعلًا مستوى الأمن الذي حصلت عليه؟

وهل يستمر الوضع علي ما هو عليه تهديدات أمنية مستمرة. 

ووهم حماية أمريكي غير فعال . 

ام نبحث عن الأمن الحقيقي والشراكة المثمرة في قلب العروبة الحامي والنابض بالحب دائمًا لجميع الأشقاء علي أرض الكنانة " مصر "
كما علمتنا دروس الماضي. 

اللهم بلغت اللهم فاشهد