" ترامب"..ونوبل "المستعصية" !!
الاثنين 12 أكتوبر, 2026بقلم : د.خالد محسن
»» مكمن الخلاف.."ديمومة" السلام .. وليس مجرد إعادة الترتيب المؤقت للأوراق !!
ما بين الأمس واليوم،تظل «جائزة نوبل للسلام» المطمح الأسمي ،والذروة التي يتطلع إليها القادة والسياسيون حول العالم لتخليد أسمائهم في سجلات التاريخ. وفي المشهد السياسي المعاصر، نادراً ما أثار قائد حالة من الجدل حول هذه الجائزة كما فعل الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، الذي لا يتوقف عن التعبير عن استيائه الشديد لعدم نيله هذا التكريم.
كما أعرب "ترامب" عن امتعاضه قائلا :إن نوبل فقدت مصداقيتها للأبد!..
وذلك بعد إعلان اللجنة فوز القاضية الجنوب أفريقية "نافي بيلاي"، المفوضة السامية السابقة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بجائزة نوبل لهذا العام 2026،
تقديراً لمسيرتها الطويلة في مكافحة التمييز والفصل العنصري، ودعمها للعدالة الدولية والقانون الدولي.
وينطلق ترامب في خطابه من مقولة مفتاحية تتردد في تصريحاته، مفادها أنه لا يتباهى بل يذكر الحقائق لأنه أنهى عدة حروب ونزاعات دولية.
ويستند ترامب في مرافعته إلى عدة محطات دبلوماسية يراها غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي الحديث، بدءاً من هندسة اتفاقيات "إبراهيم" لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، مستعوضاً الدبلوماسية التقليدية بصفقات إقليمية شملت مسارات كبرى. كما يدعي دورا غير واضح الملامح لوقف الخطر الايراني ،وبتر تطلعاتها النووية وخفض حدة الحرب الروسية الأوكرانية مع جهود حثيثة لوقف هذه المعركة ،وتخفيف التوترات الإقليمية واختراق جدار الصمت مع كوريا الشمالية، والوساطة في ملفات البلقان بين صربيا وكوسوفو، فضلاً عن التحركات في صراعات أخرى أفريقية وآسيوية، مع التباهي الدائم بشعار أمريكا أولاً وتجنب إدخال الولايات المتحدة في حروب برية جديدة متماسكة أثناء فترة حكمه، والتركيز على دبلوماسية الصفقة السريعة بدلاً من الحروب المستمرة.
ويزيد من مرارة ترامب ما يعتبره ازدواجية في معايير اللجنة النرويجية، مقتطعاً من الذاكرة المقارنة بالرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي مُنح الجائزة في مستهل ولايته دون سجل ملموس، وهو ما يراه ترامب تحيزاً مؤسسياً ضد شخصيته وأسلوبه السياسيين.
• معايير "نوبل"
تأسست جائزة نوبل للسلام بناءً على وصية "ألفرد نوبل" عام 1895، والتي حددت معايير الجائزة في ثلاثة أركان أساسية: تخفيض الجيوش والقوات العسكرية القائمة، وإلغاء الحروب والدعوة لنشر السلام، وتعزيز الأخوة بين الأمم وبناء المؤسسات الأمنية الشاملة.
وقد اعتمدت اللجنة النرويجية في تقييمها دائماً على "ديمومة" السلام وليس مجرد إعادة ترتيب مؤقت للأوراق، وهنا تكمن النقطة الخلافية الكبرى في ملف "ترامب".
وبالنظر لسياسات "ترامب"،نجد أن دبلوماسيته تعتمد على صفقات تجارية وسياسية خاطفة، وغالباً ما تتجاهل الجذور التاريخية للصراعات، مثل معالجة القضية الفلسطينية عبر عزلها بدلاً من حلها العادل، مما يجعل الاتفاقات "هشّة" ومقترنة بتوازنات القوة اللحظية.
ويضاف إلى ذلك نهج "الأحادية" والتنصل من المعاهدات الدولية، مثل الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، واتفاقية باريس للمناخ، وتهميش المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، وهي سلوكيات تتعارض جوهرياً مع فلسفة نوبل التي تقدس العمل الجماعي المتعدد الأطراف.
ويطرح هذا الواقع تساؤلاً كبيراً حول ما إذا كان التحيز السياسي الأورومتوسطي يحول بالفعل دون حصول "ترامب" على الجائزة؛ إذ تتكون اللجنة النرويجية من أعضاء يغلب عليهم الطابع الليبرالي الاجتماعي والمفاهيم الغربية للحقوق والقوانين الدولية. وبالنسبة لهذه المدرسة، فإن لغة ترامب الصادمة، واستخدامه للقوة الناعمة كأداة تهديد، واستقطابه الداخلي والخارجي، يتعارض مع الصورة النمطية لصانع السلام.
ومع ذلك، تظل ادعاءات تسوية ثماني حروب محل تشكيك واسع لدى مراقبي السياسة الدولية، فكثير من النزاعات التي يُشار إليها شهدت تهدئة مؤقتة أو تفاهمات هشة بدلاً من تسويات جذرية وشاملة.
وتبقى نوبل السلام بالنسبة لترامب رمزاً لشرعية دولية يستشعر استحقاقها ويرى نفسه محرومًا منها بذريعة الانحياز الأيديولوجي.
إن صراع ترامب مع الجائزة ليس مجرد رغبة في تتويج شخصي، بل هو تجسيد لصدام عميق بين مفهومين للسلام: مفهوم قائم على صفقات القوة والأمر الواقع، ومفهوم تقليدي يستند إلى القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف.
وحتى يُحسم هذا الصدام الفلسفي، ستظل الجائزة مستعصية على ترامب، وستظل تساؤلات المعايير المزدوجة تلاحق القائمين عليها.
• إشكالية عميقة
وبين ادعاءات «إطفاء الحروب» واتهامات «المعايير المزدوجة»، تتبدى إشكالية عميقة تتقاطع فيها الدبلوماسية مع الحسابات الأيديولوجية وأجندات القوة النارية.
وخطاب الاستحقاق
لدي "ترامب" ،ينطلق في خطابه من مقولة مفتاحية تتردد في تصريحاته: «أنا لست أتباهى، بل أذكر الحقائق.. لقد أنهيت ثماني حروب». ويستند الرئيس الإمريكي في مرافعته إلى عدة محطات دبلوماسية يراها غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي الحديث وعلي رأسها «اتفاقيات إبراهيم»،والتي تتضمن هندسة مسار جديد لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، مستعوضاً الدبلوماسية التقليدية بصفقات إقليمية شملت مسارات كبرى.
كما يصر على التباهي بعدم إدخال الولايات المتحدة في حروب برية جديدة متماسكة أثناء فترة حكمه، مع التركيز على «دبلوماسية الصفقة» السريعة بدلاً من الحروب المستمرة.
ويزيد من مرارة ترامب ما يعتبره ازدواجية في معايير اللجنة النرويجية، مقتطعاً من الذاكرة المقارنة بالرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي مُنح الجائزة عام 2009 في مستهل ولايته دون سجل ملموس، وهو ما يراه ترامب تحيزاً مؤسسياً ضد شخصيته وأسلوبه.
• مواقف متابينة
وبالنظر إلى المواقف الدولية.. بين "براجماتية الصفقة" وتخوفات "الفوضى"
وفي سياق تقييم دول العالم لهذه السياسات، يتبدى انقسام دولي حاد يفتقر إلى الإجماع؛ فبينما تنظر العواصم الغربية وحلفاء الناتو بعين القلق والريبة إلى "دبلوماسية الصفقة"، وتعدّ تهميش الأطر متعددة الأطراف والانسحاب من التعهدات الدولية تهديداً للاستقرار ومخاطرة بفتح الباب أمام فوضى الجيوسياسات، ترى قوى إقليمية ودولية أخرى في هذا النهج فرصة "براجماتية" لتجاوز الجمود الدبلوماسي وحل الخلافات المعقدة عبر مساومات مباشرة وإعادة رسم خارطة المصالح خارج قيود البيروقراطية الدولية التقليدية.
وهذا الموقف العالمي المتضارب يُكرّس حقيقة مفادها: أن العالم سيبقى منقسماً حول إرث ترامب السياسي؛ بين من يراه مصلحاً يفرض "حسابات القوة والأمر الواقع"، ومن يعتبره مجازفاً يفرغ منظومة الأمن القومي والدولي من ضوابطها القانونية والأخلاقية.
وتبقى «نوبل السلام» بالنسبة لترامب رمزا لشرعية دولية يستشعر استحقاقها ويرى نفسه محرومًا منها بذريعة الانحياز الأيديولوجي.
إن صراع "ترامب" مع الجائزة ليس مجرد رغبة في تتويج شخصي، بل هو تجسيد لصدام عميق بين مفهومين للسلام: مفهوم قائم على «صفقات القوة والأمر الواقع»، ومفهوم تقليدي يستند إلى «القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف».
وحتى إشعار آخر وإلي أن يُحسم هذا الصدام الفلسفي، ستظل الجائزة "مستعصية" على ترامب، وستظل اتهامات المعايير المزدوجة تلاحق القائمين عليها!.