مصر وآسيا… عندما تتحول الجغرافيا إلى قوة

الخميس 8 أكتوبر, 2026

بقلم الخبيرة التربوية منار البطران

لم تعد العلاقات بين الدول تُقاس فقط بعدد الزيارات الرسمية أو البيانات التي تصدر بعد الاجتماعات. فالعالم يتغير بسرعة ومراكز القوة الاقتصادية والسياسية تتغير معه. وفي هذا المشهد تبرز آسيا باعتبارها واحدة من أهم المناطق التي تتحرك فيها مصر بحثًا عن شراكات جديدة وفرص أوسع.

الجولة الآسيوية الحالية للرئيس عبد الفتاح السيسي والتي بدأت بزيارة دولة إلى جمهورية كوريا الجنوبية وتشمل ماليزيا وإندونيسيا تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية مهمة. فهذه التحركات لا تتعلق بالعلاقات السياسية فقط بل تفتح أيضًا مجالات للتعاون الاقتصادي والاستثماري وتعزيز العلاقات مع دول تمتلك تجارب بارزة في الصناعة والتكنولوجيا والتجارة.

لكن السؤال الأهم ليس إلى أين يسافر الرئيس.

السؤال هو ماذا تريد مصر من آسيا؟

الإجابة لا تتعلق بصفقة واحدة أو مشروع واحد. فمصر تسعى إلى توسيع مجالات التعاون في الصناعة والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والأسواق وسلاسل الإمداد. وفي المقابل تمتلك مصر موقعًا جغرافيًا يجعلها نقطة اتصال مهمة بين قارات وأسواق مختلفة بالإضافة إلى قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المرتبطة بها.

وهنا تتحول الجغرافيا من مجرد موقع على الخريطة إلى عنصر من عناصر القوة الاقتصادية.

والعلاقة مع اليابان تقدم مثالًا واضحًا على أهمية هذا الاتجاه. فقد ارتفعت العلاقات المصرية اليابانية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية مع وجود تعاون في مجالات متعددة من بينها الاستثمار والتجارة والنقل والطاقة وتكنولوجيا المعلومات والتنمية. كما ارتبط التعاون بين البلدين بعدد من المشروعات المهمة في مصر.

لكن مصر لا تنظر إلى آسيا من خلال دولة واحدة.

فكوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا تمثل كل منها فرصًا مختلفة. والجولة الحالية تفتح الباب أمام توسيع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع دول آسيوية لها تجارب متنوعة في الصناعة والتكنولوجيا والتجارة والأسواق. وهذا يجعل التحرك المصري أوسع من مجرد بناء علاقات ثنائية مع دولة بعينها.

العالم اليوم لا يتحرك بمنطق الصديق والخصم فقط. هناك منطق جديد يقوم على الشراكات والمصالح المتبادلة وتنويع العلاقات. وهذا أمر مهم لأي دولة تريد أن تزيد قدرتها على جذب الاستثمارات وتفتح أسواقًا جديدة أمام منتجاتها وتعزز مكانتها الاقتصادية.

لكن نجاح أي تحرك خارجي لا يقاس بعدد الصور التي تلتقط خلال الزيارات ولا بعدد اللقاءات التي تعقد. النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول العلاقات السياسية إلى مشروعات واستثمارات ونقل للخبرات وتوطين للصناعة وزيادة في الإنتاج وفرص عمل جديدة.

وهنا تكمن أهمية الشراكة مع الدول الآسيوية.

فالتجارب الآسيوية المختلفة تقدم نماذج متعددة في الصناعة والتكنولوجيا والبنية الأساسية والتصدير والتطوير المؤسسي. ومصر تستطيع أن تستفيد من هذه الخبرات بما يتناسب مع احتياجاتها وإمكاناتها وأولوياتها الوطنية.

وفي الوقت نفسه تمتلك مصر ما يجعلها شريكًا مهمًا لهذه الدول: الموقع الجغرافي والسوق وقناة السويس والارتباط بالقارة الأفريقية والقدرة على الوصول إلى أسواق إقليمية واسعة.

لذلك فإن السؤال الحقيقي أمام مصر ليس هل تتجه إلى الشرق أم الغرب.

السؤال الأهم هو كيف تستطيع مصر أن تستفيد من موقعها وعلاقاتها المتنوعة لبناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة.

آسيا ليست مجرد اتجاه على البوصلة. إنها واحدة من أهم ساحات الاقتصاد العالمي. ومصر التي تقف عند نقطة التقاء طرق التجارة بين الشرق والغرب تستطيع أن تجعل من موقعها الجغرافي فرصة حقيقية إذا نجحت في تحويل العلاقات الدولية إلى إنتاج واستثمار وتكنولوجيا وأسواق وفرص عمل.

في النهاية لا تصنع الدول مستقبلها بالتحرك الدبلوماسي وحده. السياسة تفتح الأبواب لكن الاقتصاد هو الذي يحدد ماذا سيحدث بعد فتحها.

ولهذا فإن أهمية التحرك المصري نحو آسيا لا تكمن فقط في الزيارات التي تتم اليوم بل في النتائج التي يمكن أن تخرج منها على المدى الطويل.

والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا هو:

هل تستطيع مصر أن تحول موقعها الاستراتيجي وعلاقاتها الدولية إلى قوة اقتصادية يشعر المواطن بنتائجها على أرض الواقع؟؟؟