الكاتبه اللبنانيه ريم برو تكتب *الأنثروبومورفيا: لماذا نمنح غير الإنسان عقلًا ومشاعر؟
الخميس 24 سبتمبر, 2026
«الكلب أوفى من الإنسان». تتكرر هذه العبارة كأنها حقيقة بديهية، لكنها تطرح سؤالًا أعمق: هل نصف الحيوان كما هو، أم نقرأ سلوكه من خلال ما نعرفه عن أنفسنا؟ حين نصف الكلب بالوفاء، أو القطة بالغيرة، أو نفسر ابتعاد حيوان بأنه حزن أو غضب، فإننا لا نكتفي بملاحظة السلوك، بل نمنحه معاني ومشاعر بشرية. وهذا الميل إلى إسناد الصفات الإنسانية إلى الكائنات غير البشرية يُعرف بالأنثروبومورفية.
لا يعني ذلك أن الحيوان لا يشعر أو لا يرتبط. فالحيوانات تتعلم وتتعلق وتتفاعل اجتماعيًا، لكن تحويل هذه السلوكيات إلى مفاهيم بشرية كاملة يظل تفسيرًا من جانبنا. فالكلب قد يرتبط بصاحبه ويبحث عنه، لكن وصف هذا الارتباط بأنه «وفاء» يستعير مفهومًا نشأ في عالم العلاقات الإنسانية. نحن نرى السلوك، ثم نفسره باللغة التي نعرفها.
ولهذا قد تكشف عبارة «الكلب أوفى من الإنسان» عن قائلها بقدر ما تكشف عن الحيوان. فالإنسان يحمل إلى علاقته بالحيوان تجاربه في الحب والخذلان والثقة والحاجة إلى الأمان، وقد يرى فيه نموذجًا لعلاقة تبدو أقل تعقيدًا من العلاقات البشرية، حيث تتداخل المصالح والتوقعات والحسابات الاجتماعية. لا يعني ذلك أن كل تعلق بالحيوان تعويض عن نقص في العلاقات الإنسانية، لكنه يوضح أن نظرتنا إلى الحيوان ليست محايدة تمامًا.
ومع الذكاء الاصطناعي، انتقلت الأنثروبومورفية إلى مجال جديد. فالآلة لم تعد تكتفي بتنفيذ الأوامر، بل أصبحت قادرة على محاورة الإنسان بلغته، ومتابعة أفكاره وإعادة صياغتها. لذلك قد يشعر الإنسان أثناء الحديث معها بأنه مسموع أو مفهوم، خصوصًا عندما يجد صعوبة في التعبير أمام الآخرين.
لكن إنتاج الآلة لغة تبدو متفهمة لا يعني بالضرورة أنها تمتلك وعيًا أو مشاعر أو تجربة داخلية مماثلة للإنسان. هنا أيضًا نواجه الفرق بين السلوك الذي نراه والمعنى الذي نمنحه له. فاللغة تجعل الآلة قريبة من الإنسان، لكنها لا تحسم طبيعة ما يوجد خلف هذه اللغة.
ومن الحيوان إلى الذكاء الاصطناعي، يظل الإنسان هو العنصر المشترك. نحن نرى في الحيوان الوفاء، وفي الآلة الفهم، لأننا نبحث أصلًا عن هذه المعاني. لذلك قد تكون الأنثروبومورفية أقل ارتباطًا بالسؤال: «هل يشبهنا غير الإنسان؟» وأكثر ارتباطًا بسؤال: لماذا نحتاج إلى أن نراه شبيهًا بنا؟
ربما لأن الإنسان يحتاج إلى الاعتراف والقبول والشعور بأن صوته يصل إلى الآخر. وعندما تصبح العلاقات البشرية شديدة التعقيد، قد يجد بعض هذه المعاني في علاقة مع حيوان أو في حوار مع آلة. عندها لا تعود الأنثروبومورفية مجرد طريقة نخطئ بها في تفسير غير الإنسان، بل تصبح نافذة نرى من خلالها حاجاتنا نحن.
لذلك قد لا يكون السؤال الأهم: «هل الكلب أوفى من الإنسان؟» أو «هل الذكاء الاصطناعي يفهمنا؟»، بل: لماذا يحتاج الإنسان إلى أن يجد الوفاء في الحيوان، والفهم في الآلة؟
فما ننسبه إلى غير الإنسان قد يكون، في جانب منه، وصفًا لما نبحث عنه نحن في الآخرين وفي أنفسنا.