تارانتو 2026.. مصر تنافس الكبار.. وحصدالميداليات يسقط حسابات المتربصين

الثلاثاء 25 أغسطس, 2026

في الرياضة لا مكان للانطباعات المسبقة عندما تبدأ ساعة الحقيقة.. ولا قيمة للضجيج أمام لوحة النتائج. وفي دورة ألعاب البحر المتوسط «تارانتو 2026» جاءت الأرقام لتفرض نفسها، وتقدم إجابة عملية لكل من اختار أن يرى نصف الكوب الفارغ، أو راهن على تعثر الرياضة المصرية قبل أن تبدأ المنافسات.
حتى ختام منافسات الثلاثاء 25 أغسطس، حصدت البعثة المصرية 14 ميدالية، بواقع 4 ذهبيات و4 فضيات و6 برونزيات، لتحتل المركز الخامس، وتتربع على صدارة الدول العربية المشاركة.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الحصاد ليست في الرقم وحده.
وتوجت لاعبة منتخب مصر للمصارعة مودة بدوي بالميدالية البرونزية في منافسات وزن 62 كجم  بعدما حققت الفوز على الإيطالية إيماكولاتا دانيز بنتيجة 5-0.


القصة في نوعية الميداليات، وقوة المنافسين، وتعدد المدارس الرياضية التي تفوقت عليها مصر، والقدرة على تحويل المنافسة إلى تتويج.
الرد الأقوى.. منصة التتويج
هناك من اعتاد أن يحاكم الرياضة المصرية بمنطق «لماذا لم نحصد أكثر؟»، متجاهلًا سؤالًا أكثر مهنية: كم ميدالية تحققت أمام منافسين من العيار الثقيل؟
وهنا يصبح التحليل الفني أكثر إنصافًا.
مصر لا تنافس دولًا محدودة الإمكانات؛ بل تواجه مدارس رياضية عريقة، تمتلك تاريخًا طويلًا في الألعاب الأولمبية والمتوسطية، ومع ذلك نجح الأبطال المصريون في تجاوز أسماء كبيرة، والوصول إلى مراكز متقدمة في الترتيب.
إسبانيا وفرنسا وكرواتيا وصربيا ليست أسماء عابرة في الرياضة العالمية.. والتفوق عليها في جدول الميداليات ليس تفصيلًا هامشيًا.
إنه مؤشر فني يستحق القراءة.
السلاح.. مصر لم تعد تبحث عن الميدالية بل تصنعها
أحد أبرز المؤشرات الفنية في تارانتو هو أداء السلاح.
عندما يصل لاعبان مصريان إلى نهائي إحدى المنافسات، فهذا يعني أن مصر لا تمتلك لاعبًا استثنائيًا فحسب، وإنما تمتلك مدرسة فنية قادرة على إنتاج أكثر من بطل في المنافسة نفسها.
محمد السيد، ومحمد حمزة، وعبد الرحمن طلبة، وغيرهم من أبطال السلاح، قدموا نموذجًا لما يمكن أن تصنعه المنظومة عندما تتوافر الخبرة والتخطيط والاحتكاك الدولي.
والأهم أن الميدالية لم تأتِ بالصدفة، بل جاءت نتيجة اختيار فني، وإعداد بدني ونفسي، وخبرة تنافسية، وقدرة على التعامل مع تفاصيل المباراة تحت الضغط.
وهنا يجب أن يتوقف المتربصون قليلًا.
المصارعة.. الشخصية المصرية تحت الضغط
في المصارعة تحديدًا، لا تكفي القوة البدنية.
المنافسة تحتاج إلى سرعة قرار، وتحمل، وقراءة للمنافس، وقدرة على تغيير التكتيك خلال ثوانٍ.
وصول المصريين إلى منصات التتويج في أوزان مختلفة يؤكد أن النجاح ليس حالة فردية، وإنما انعكاس لقاعدة فنية يمكن البناء عليها.
والرسالة واضحة
عندما تتطور المنظومة.. تتعدد الأسماء على منصة التتويج.
السباحة.. الذهب لا يأتي بالمجاملة
ثم جاءت السباحة لتضيف إلى الصورة بعدًا آخر
ذهبية عبد الرحمن سامح، وبرونزية فريدة عثمان، وبرونزية يوسف رمضان، ليست مجرد ميداليات في جدول النتائج، وإنما تأكيد على أن مصر قادرة على المنافسة في رياضة تعتمد بصورة مباشرة على الأرقام والزمن والثواني.
في السباحة لا توجد مساحة كبيرة للمجاملات
إما أن تكون أسرع.. أو لا تصعد إلى منصة التتويج.
وهذا تحديدًا يجعل الميدالية المصرية في السباحة ذات قيمة فنية خاصة.
وهنا يأتي السؤال لمن يهاجم الرياضة المصرية
هل المطلوب أن نقول إن كل شيء مثالي؟ بالطبع لا.
الرياضة المصرية تحتاج إلى مراجعة دائمة، ونقد مهني، ومحاسبة، وتطوير للخطط، وإعادة تقييم لبعض الاتحادات والبرامج.
لكن هناك فارقًا هائلًا بين النقد الذي يبني، والنقد الذي ينتظر سقوط مصر ليحتفل به.
الفارق بين الصحفي المهني والمتربص أن الأول يسأل: كيف نطور؟
أما الثاني فيسأل فقط: متى نخسر؟
والرياضة المصرية لا تحتاج إلى تصفيق أعمى.. لكنها بالتأكيد لا تحتاج إلى جلد ذات دائم.
 وفي اتصال تليفوني مع المهندس ياسر إدريس رئيس اللجنة الأولمبية المصرية والمتواجد حاليا في مدينةتارانتو الإيطالية قال
: لا نريد ميداليات عابرة.. نريد صناعة أبطال
لأن الإنجاز الحقيقي لا يقاس بميدالية واحدة، وإنما بقدرة المنظومة على صناعة أبطال قادرين على المنافسة والاستمرار.
وأكد إدريس أن أبطال مصر يثبتون في كل منافسة أنهم قادرون على مقارعة الكبار ورفع العلم المصري في المحافل الدولية، وأن ما تحقق في تارانتو هو ثمرة جهد وإعداد وتكاتف بين اللاعبين والأجهزة الفنية والإدارية.
وشدد على أن اللجنة الأولمبية تضع مصلحة اللاعبين والرياضة المصرية في مقدمة أولوياتها، وأن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة العمل وعدم الاكتفاء بما تحقق، لأن الهدف هو بناء جيل قادر على المنافسة في البطولات الكبرى وصولًا إلى الاستحقاقات الأولمبية.
والرسالة الأهم.. لا تفسدوا فرحة الأبطال.
"رسائل وطنية واضحة "
كما أطلق المهندس ياسر ادريس قد أطلق عدة رسائل وطنية واضحة هي    خلال من حق الإعلام  أن ينتقد.
ومن حقه أن يسأل.
ومن حقه أن يطالب بالمزيد.
لكن ليس من حق أحد أن يختزل إنجاز أبطال مصر في عنوان سلبي لمجرد أن حصيلة الميداليات لم تصل إلى الرقم الذي كان يتمناه.
البطل الذي يقف على منصة التتويج لا يسأل عن هوية من شجعه.. لكنه يستحق أن يجد وطنه خلفه.
ومن هنا فإن الرد ليس بالصوت العالي، ولا بالمجادلات على مواقع التواصل.
الرد في حمام السباحة.. وعلى بساط المصارعة.. وعلى ممرات السلاح.. وفوق منصة التتويج.
وهذا ما يفعله أبطال مصر الآن.
مصر لا تدافع عن إنجازاتها بالكلام.. بل بالميداليات.
13 ميدالية حتى الآن.
المركز الخامس.
الصدارة العربية.
وتفوق على أسماء كبيرة في الرياضة المتوسطية.
والبطولة لم تنتهِ بعد.
لذلك فإن الرسالة من تارانتو يجب أن تكون واضحة:
ننتقد من أجل التطوير.. نعم.
نحاسب من أجل الإصلاح.. نعم.
لكن عندما يرفع أبطال مصر العلم.. نصمت قليلًا ونترك الميداليات تتحدث.
ففي الرياضة.. قد تختلف الآراء، لكن لا يمكن أن تختلف الأرقام.