المفاوضات على حافة التعثر… والمنطقة أمام اختبار جديد
الأربعاء 5 أغسطس, 2026
بقلم د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
من يراقب المشهد الإقليمي بعيداً عن التصريحات الإعلامية، يدرك أن ما يجري اليوم ليس مساراً تفاوضياً عادياً، بل صراع إرادات تُستخدم فيه طاولة المفاوضات بقدر ما تُستخدم فيه أوراق الضغط السياسي والعسكري.
لذلك، فإن الاعتقاد بإمكانية الوصول إلى اتفاق سريع يبدو سابقاً لأوانه. فالمؤشرات حتى الآن توحي بأن فرص التعثر أكبر من فرص الاختراق، ليس لأن الأطراف ترفض الحوار، بل لأنها لم تقترب بعد من نقطة التقاء حقيقية تسمح بإنتاج تسوية قابلة للحياة.
المعضلة الأساسية أن كل طرف يدخل المفاوضات حاملاً سقفاً مرتفعاً من المطالب، ويريد تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والأمنية، بينما يرفض تقديم التنازلات التي يراها تمس مصالحه الجوهرية. وفي ظل هذا الواقع، تتحول المفاوضات إلى عملية إدارة للأزمة أكثر منها طريقاً لحلها.
ولا يمكن فصل هذه المحادثات عن المشهد الإقليمي الأوسع. فما يجري في لبنان يرتبط بتوازنات تمتد من طهران إلى واشنطن، ومن غزة إلى شرق المتوسط. وأي تبدل في إحدى هذه الساحات ينعكس مباشرة على مسار التفاوض، ما يجعل فرص الوصول إلى اتفاق نهائي أكثر تعقيداً.
ومع ذلك، فإن تعثر المفاوضات لا يعني سقوطها. ففي العلاقات الدولية، كثيراً ما تتوقف المفاوضات ثم تعود عندما تتبدل الحسابات السياسية أو تتغير موازين القوى. لذلك، فإن الجمود المحتمل قد يكون محطة انتقالية، لا نهاية الطريق.
لكن ما يجب أن يقلق اللبنانيين هو أن استمرار الفراغ في الحلول يترك لبنان عرضة للتجاذبات الإقليمية، ويجعل مصيره مرتبطاً بقرارات تُتخذ خارج حدوده أكثر مما تُصنع في مؤسساته الوطنية. وهذا الواقع يفرض على الدولة أن تكون صاحبة القرار الأول في حماية سيادتها ومصالحها، بعيداً عن منطق انتظار التسويات الخارجية.
إن المنطقة تقف اليوم أمام مرحلة دقيقة، حيث تختلط الدبلوماسية بالردع، والتفاوض بالضغوط، والتفاهمات المؤقتة باحتمالات التصعيد. وبين هذه الاحتمالات، يبدو أن الطريق إلى الاتفاق لا يزال طويلاً وشاقاً، وأن ما يُطرح اليوم قد لا يكون سوى جولة أولى في مسار تفاوضي قد يمتد أشهراً قبل أن تتضح معالمه.
إن الحكمة تقتضي عدم الانخداع بالمظاهر، فليست كل مصافحة بداية سلام، وليست كل مفاوضات مقدمة لاتفاق. وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما تكون طاولات التفاوض امتداداً للصراع بوسائل مختلفة، لا بديلاً عنه.