الإقامة الذهبية أم بيعٌ للوهم؟
الخميس 25 يونيو, 2026بقلم د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي – مرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية
أقرت الحكومة مشروع «الإقامة الذهبية» الذي يمنح الأجنبي حق الإقامة في لبنان مقابل استثمار لا يقل عن 500 ألف دولار. ومن حيث المبدأ، لا تُعتبر برامج الإقامة مقابل الاستثمار فكرة جديدة، إذ تعتمدها العديد من دول العالم لاستقطاب رؤوس الأموال والكفاءات. لكن السؤال الجوهري هو: هل يملك لبنان اليوم المقومات التي تجعل هذا البرنامج قابلاً للنجاح؟
فالمستثمر الأجنبي لا يضع أمواله في أي بلد لمجرد الحصول على بطاقة إقامة، بل يبحث عن بيئة آمنة ومستقرة تضمن له حماية أمواله وحقوقه. والإقامة الذهبية ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة للاستفادة من مزايا اقتصادية وقانونية واجتماعية تقدمها الدولة المضيفة.
لماذا يطلب المستثمر الإقامة الذهبية في دول أخرى؟
أولاً: دولة الإمارات العربية المتحدة
تمنح دولة الإمارات الإقامة الذهبية للمستثمرين ورواد الأعمال والعلماء والكفاءات، ويستفيد حاملها من:
الإقامة طويلة الأمد.
بيئة ضريبية جاذبة.
اقتصاد مستقر ومتنامٍ.
سهولة تأسيس الشركات.
بنية تحتية متطورة.
نظام مصرفي موثوق.
مستوى أمان مرتفع.
لهذا السبب، أصبحت الإمارات مركزاً عالمياً لجذب رؤوس الأموال.
ثانياً: البرتغال
اعتمدت البرتغال برنامج الإقامة الذهبية لسنوات طويلة بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية، واستفاد المستثمرون من:
حرية التنقل داخل منطقة شنغن.
إمكانية الحصول على الجنسية الأوروبية لاحقاً.
استقرار سياسي وقضائي.
نظام مصرفي موثوق.
حماية قانونية للاستثمارات.
ثالثاً: اليونان
تمنح اليونان إقامة للمستثمرين العقاريين، ويستفيد حاملها من:
الإقامة داخل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
إمكانية التنقل في أوروبا.
بيئة قانونية مستقرة.
فرص استثمار عقاري وسياحي واعدة.
رابعاً: الولايات المتحدة
يتيح برنامج المستثمرين في الولايات المتحدة الحصول على الإقامة مقابل استثمارات محددة تؤدي إلى خلق فرص عمل، ويستفيد المستثمر من:
أكبر اقتصاد في العالم.
حماية قضائية وقانونية قوية.
سوق مالية متطورة.
بيئة أعمال مستقرة.
ماذا يقدم لبنان للمستثمر؟
هنا يكمن جوهر المشكلة.
هل يستطيع لبنان اليوم أن يقدم للمستثمر:
نظاماً مصرفياً يستعيد ثقته؟
قضاءً سريعاً ومستقلاً؟
استقراراً سياسياً وأمنياً؟
إدارة خالية من الفساد والمحسوبيات؟
ضمانات بعدم تغيير القوانين بصورة مفاجئة؟
بنية تحتية حديثة وخدمات مستقرة؟
للأسف، فإن الإجابة التي يطرحها معظم المستثمرين هي: ليس بعد.
فمنذ عام 2019، شهد لبنان انهياراً مالياً أدى إلى احتجاز أموال المودعين، وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي، وارتفاع المخاطر الاقتصادية. لذلك، فإن أي مستثمر جدي سيقارن بين وضع لبنان ودول أخرى تقدم الإقامة الذهبية مقرونة بالاستقرار والضمانات والحوافز.
الاستثمار لا يأتي بالقرارات النظرية
إن جذب الاستثمار لا يتم بإقرار قانون أو بمنح إقامة، بل بإعادة بناء الثقة بالدولة. فالمستثمر لا يغامر بأمواله في بيئة غير مستقرة لمجرد الحصول على إقامة في بلد لا يملك اليوم ميزات تنافسية واضحة مقارنة بدول أخرى.
إن الحكومة مطالبة أولاً بـ:
استعادة الثقة بالقطاع المصرفي.
ضمان استقلال القضاء.
مكافحة الفساد.
تأمين الاستقرار الأمني والسياسي.
إطلاق إصلاحات اقتصادية وإدارية حقيقية.
توفير حماية قانونية كاملة للاستثمارات.
عندها فقط يمكن للإقامة الذهبية أن تصبح أداة حقيقية لجذب رؤوس الأموال.
ويبقى السؤال الأهم...
هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تضمن للمستثمر الأجنبي سلامته وسلامة استثماراته في ظل التهديدات الأمنية القائمة؟ وهل تستطيع حمايته من أي تصعيد عسكري أو من القصف الإسرائيلي والاغتيالات التي شهدها لبنان خلال السنوات الماضية؟
إن المستثمر لا ينظر فقط إلى الحوافز المالية والإعفاءات القانونية، بل يضع الأمن والاستقرار في رأس أولوياته. وعندما يشعر بأن استثماره أو حياته قد تكون عرضة للمخاطر، فإنه يبحث بطبيعة الحال عن دول توفر له الضمانات الأمنية والقانونية التي يحتاجها.
لذلك، فإن أي مشروع للإقامة الذهبية لن يحقق أهدافه ما لم تستطع الدولة اللبنانية أن تقدم للمستثمر عنصر الثقة، وأول عناصر هذه الثقة هو الأمن والاستقرار وحماية الأرواح والاستثمارات.
فالإستثمار لا يُشترى بالإقامات، بل يُبنى بالثقة، وسيادة القانون، والاستقرار، واحترام حقوق المستثمرين والمودعين على حد سواء. وإلا فإن الخشية تبقى أن تتحول «الإقامة الذهبية» إلى مجرد بيعٍ للوهم وتسويقٍ لصورة استثمارية لا تعكس الواقع اللبناني.