هذه ليست حرباً تُنهيها الضربة الأخيرة… بل صراعٌ يُدار ليبقى

السبت 6 يونيو, 2026

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
يسأل كثيرون إذا لم ينتصر أحد، فلماذا لم تنتهِ الحرب؟ وإذا كان الدمار قد طال الجميع، من الجنوب إلى الضاحية، ومن مدن إسرائيل إلى الداخل الإيراني، فلماذا لا تتوقّف؟ الجواب الصريح، وإن كان قاسياً، هو أنّ هذه الحرب لا تُدار بهدف الحسم، بل بهدف الاستمرار تحت سقفٍ مضبوط.

ما نشهده اليوم ليس حرباً تقليدية بين جيشين يسعيان إلى نصرٍ واضح، بل نمطٌ مختلف من الصراعات، حيث تمتلك الأطراف القدرة على الإيذاء، لكنها تفتقد القدرة ـ أو الإرادة ـ على الحسم الكامل. في مثل هذا الواقع، يصبح التوازن قائماً على “تبادل الألم”، لا على تحقيق الانتصار. كلّ طرف يضرب، ويتلقّى الضرب، ثم يعيد التموضع دون أن يذهب 
إلى النهاية.

إنّ الولايات المتحدة، رغم قوّتها، لا تتصرّف على قاعدة إسقاط إيران، بل على قاعدة احتوائها ومنعها من التمدّد أكثر. وفي المقابل، لا تسعى إيران إلى حربٍ شاملة، بل إلى تثبيت معادلة ردع تُبقي خصومها تحت الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة كبرى. أمّا إسرائيل، فهي تضرب لتُضعف وتردع، لا لتدخل حرباً طويلة مفتوحة قد تستنزفها داخلياً.

هنا تحديداً تتّضح الصورة، الحرب مستمرّة لأنّ كلفة إنهائها أعلى من كلفة استمرارها. فالحسم يتطلّب مواجهةً شاملة قد تفتح أبواب المنطقة على فوضى غير قابلة للسيطرة، تشمل تعطّل الملاحة، وانهيارات اقتصادية، وربّما انخراط قوى دولية بشكلٍ مباشر. لذلك، يُفضّل الجميع إدارة الصراع بدل تفجيره.

ولأنّ هذا الصراع لا يقتصر على طرفين، بل يتوزّع على ساحاتٍ متعدّدة، من لبنان إلى غيره، فإنّ إنهاءه يصبح أكثر تعقيداً. كلّ ساحة تُستخدم كورقة ضغط، وكلّ تصعيد فيها يُقرأ ضمن ميزانٍ أوسع، ما يجعل التهدئة الشاملة أمراً صعب التحقيق.

الخطير في هذا النوع من الحروب أنّه لا يُحسم بسرعة، بل يستنزف ببطء. لا يُسقط الأنظمة فوراً، لكنّه يُضعف المجتمعات تدريجياً، ويُبقي الدول في حالة توتّر دائم. وهنا تكمن المأساة الحقيقية، الناس تدفع الثمن، فيما الصراع يُدار لا ليُحسم، بل ليبقى تحت السيطرة.

لبنان، في قلب هذا المشهد، ليس خارج اللعبة، بل في صلبها. فهو يتأثّر بكلّ ضربة، ويُستخدم في حسابات الردع، فيما دولته لا تزال عاجزة عن فرض منطقها الكامل. وهذا ما يجعل الخروج من هذه الدوّامة ضرورة وجوديّة، لا خياراً سياسياً.

إنّ إنهاء هذا المسار لا يكون بانتظار ضربةٍ حاسمة لن تأتي، بل ببناء مناعة داخليّة تُخفّف من تأثير الصراع الخارجي. فالدولة القويّة وحدها تستطيع أن تُبعد نفسها عن أن تكون ساحةً دائمة لتصفية الحسابات.

هذه ليست حرباً تُنهيها معركة واحدة، بل صراعٌ طويل يُدار بحسابات دقيقة. ومن لا يفهم هذه الحقيقة، سيبقى ينتظر نهايةً لن تأتي… بينما الواقع يتآكل من حوله.