مضيق هرمز… حين يصبح البحر زرَّ ارتجاجٍ عالمي؟

الخميس 14 مايو, 2026

بقلم :د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

لم يعد مضيق هرمز مجرّد ممرٍّ بحري تعبر منه ناقلات النفط، بل أصبح واحدًا من أخطر مفاتيح الصراع الدولي في العالم.
فأيّ توترٍ عسكري في هذه البقعة الصغيرة قادرٌ على هزّ الاقتصاد العالمي، ورفع أسعار الطاقة، وإرباك الأسواق الدولية خلال ساعات.

لكن الخطر اليوم لم يعد يقتصر فقط على النفط والغاز، بل امتدّ إلى ما هو أخطر وأكثر حساسية وهي كابلات الإنترنت البحرية التي تمرّ عبر المنطقة وتربط الشرق بالغرب.

العالم الحديث لا يعيش فقط على النفط… بل على البيانات أيضًا.
فالمصارف، والبورصات، والتحويلات المالية، والتجارة الإلكترونية، وشركات الطيران والشحن، وحتى الاتصالات العسكرية، تعتمد بشكل هائل على شبكة الكابلات البحرية الممتدة تحت المحيطات والبحار.

وأكثر من 95٪ من حركة الإنترنت العالمية تمرّ عبر هذه الكابلات، لا عبر الأقمار الصناعية كما يعتقد كثيرون.

هنا تحديدًا يكمن القلق الأميركي الحقيقي.
فالولايات المتحدة تدرك أنّ أيّ تصعيد إيراني واسع في الخليج قد لا يقتصر على استهداف السفن أو تهديد الملاحة، بل قد يمتدّ إلى ضرب البنية التحتية الرقمية العالمية، ما قد يُدخل العالم في فوضى اقتصادية وتقنية غير مسبوقة.

إيران تعرف جيدًا أنّها لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة عسكريًا بالطريقة التقليدية، لكنها تدرك أيضًا أنّ امتلاك القدرة على تهديد الممرات البحرية والطاقة والبنية الرقمية يمنحها أوراق ضغط هائلة في أي مواجهة كبرى.

ولهذا، تخشى واشنطن من سيناريو بالغ الخطورة:
إغلاق أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، بالتزامن مع استهداف كابلات الاتصالات البحرية أو تهديدها، ما قد يؤدي إلى:

* اضطراب عالمي في الإنترنت والاتصالات،
* تعطّل بعض الأنظمة المصرفية،
* ارتباك في الأسواق والبورصات،
* ارتفاع جنوني بأسعار النفط،
* وفوضى اقتصادية تمتدّ من آسيا إلى أوروبا وأميركا.

ورغم أنّ العالم يمتلك مسارات بديلة وشبكات احتياطية، فإنّ أيّ ضربة واسعة للبنية التحتية البحرية قد تُحدث صدمة عالمية ضخمة، خصوصًا إذا ترافقت مع حرب إقليمية أو مواجهة مفتوحة في الخليج.

لهذا السبب، لا تنظر الولايات المتحدة إلى مضيق هرمز فقط كممرّ نفطي، بل كمنطقة أمن قومي عالمي.
وأيّ تهديد له لم يعد يُقاس فقط بعدد ناقلات النفط، بل بحجم التأثير المحتمل على الاقتصاد الرقمي العالمي بأكمله.

المشكلة أنّ الشرق الأوسط اليوم يعيش فوق برميل بارود سياسي وعسكري، حيث أصبحت الحروب الحديثة لا تُدار فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضًا بخنق الاقتصاد، وتعطيل التكنولوجيا، وتهديد شبكات الطاقة والاتصالات.

وما تخشاه واشنطن فعليًا ليس فقط الصواريخ الإيرانية، بل قدرة طهران على تحويل نقطة جغرافية صغيرة مثل مضيق هرمز إلى “زرّ ارتجاج عالمي” قادر على إدخال الاقتصاد الدولي في مرحلة شلل وفوضى خلال وقت قصير.

وفي عالمٍ مترابط بهذا الشكل، لم تعد الحروب تُقاس بعدد الجنود فقط…
بل بقدرة أيّ طرف على إيقاف العالم من خلف البحر..