بين الخوف والكره… كيف أُخذ لبنان رهينة؟
الأربعاء 22 أبريل, 2026بقلم :-د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
في لبنان، لم يعد الانقسام مجرّد اختلافٍ في الرأي، ولا حتى صراعاً سياسياً قابلاً للحل، بل تحوّل تدريجياً إلى بنيةٍ نفسيةٍ عميقة تتحكّم في سلوك الناس، وتوجّه خياراتهم، وتقيّد مستقبلهم. نحن لا نعيش فقط أزمة نظام، بل أزمة ثقة وذاكرة وهوية، حيث لم تنتهِ آثار الحرب الأهلية اللبنانية فعلياً، بل بقيت حيّة في النفوس، تنتقل من جيلٍ إلى جيل، وتُعاد صياغتها في الوعي اليومي حتى عند من لم يعشها.
توقّف القتال، لكن لم تُقفل الجراح، ولم تُكتب رواية وطنية جامعة، ولم تتحقق مصالحة تُنهي هذا الانقسام العميق. فبقي اللبناني يعيش بين ذاكرة مجروحة، وخوفٍ متوارث، ونظامٍ يُغذّي الاثنين معاً. في هذا الواقع، لم يعد الخوف شعوراً عابراً، بل تحوّل إلى أداةٍ تُستخدم في إدارة المجتمع، حيث يُدفع الإنسان بشكل غير مباشر إلى البقاء ضمن دائرة القلق، لأن الخوف يضمن الولاء، ويُبقي الحاجة قائمة، ويمنع الخروج عن الاصطفاف.
ومع مرور الوقت، لا يبقى الخوف على حاله، بل يتطوّر إلى كرهٍ يجد له مبررات داخل ذهن صاحبه. ليس لأن الآخر عدوّ فعلاً، بل لأن صورته رُسمت على هذا الأساس، وتكرّست عبر الخطاب والتجربة والروايات المتناقلة. وهكذا، يصبح الانقسام أكثر من سياسي، ويتحوّل إلى انقسام نفسي ووجودي، حيث يُنظر إلى الآخر كخطر محتمل، لا كشريك في وطن واحد.
ورغم ذلك، تظهر مفارقة لافتة في الحياة اليومية، إذ يلتقي اللبنانيون في العمل، في الدراسة، وفي تفاصيل الحياة البسيطة، ويتشاركون نفس الأزمات والهموم والطموحات. هذا التناقض يكشف أن الكره ليس حالة طبيعية، بل نتيجة تراكمات يمكن تفكيكها إذا توفرت الإرادة والظروف المناسبة. المشكلة الحقيقية لا تكمن في الناس بقدر ما تكمن في نظامٍ يعيد إنتاج الخوف، وطبقةٍ سياسية تستفيد منه، وواقعٍ إقليمي يجعل لبنان ساحةً مفتوحة لتقاطع المصالح.
لا يمكن اختزال المسؤولية بجهة واحدة، لكن يمكن القول بوضوح إن كل من يستثمر في خوف الناس هو جزء من هذه الأزمة. نظام طائفي يحتاج الانقسام ليستمر، وقيادات تخشى قيام دولة حقيقية، وتدخلات خارجية تجد في الانقسام مدخلاً للتأثير، وإعلام يضخّ خطاب القلق بشكل دائم. النتيجة وطنٌ معلّق، وشعبٌ يعيش بين هواجس متناقضة، عاجز عن الانتقال من حالة القلق إلى حالة الاستقرار.
السؤال لم يعد إن كان اللبناني نائماً، بل لماذا يُعاد دفعه إلى الخوف كلما اقترب من الوعي. لقد ظهرت محطات أظهر فيها اللبناني قدرة على تجاوز الانقسام، لكنه كان يصطدم دائماً ببنيةٍ أقوى تعيد إنتاج الواقع نفسه. لذلك، فإن أي تغيير حقيقي لا يمكن أن يكون لحظة عاطفية عابرة، بل مساراً طويلاً يتطلّب ثباتاً وإرادة مستمرة.
الخروج من هذا الواقع لا يتم عبر الشعارات، بل عبر مواجهة السبب الأساسي: الخوف نفسه. وهذا يتطلّب بناء دولة يشعر فيها المواطن بالأمان دون الحاجة إلى الاحتماء بأي جهة، وكتابة ذاكرة وطنية صادقة، وكسر العلاقة بين الأمان والانتماء الطائفي، وإنتاج خطاب سياسي يهدّئ بدل أن يحرّض.
لبنان لا يُهدَّد فقط بانقسامه، بل باستمرارية هذا الانقسام كأمرٍ واقع. الخطر الحقيقي ليس في الاختلاف، بل في تحويله إلى مصدر خوف دائم. وعندما يُربّى الإنسان على الخوف من الآخر، يصبح أسير هذا الخوف دون أن يدرك.
الأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا تُدار بالكره، بل تقوم عندما يشعر الإنسان أنه مواطن كامل، لا تابع، وعندما تتحوّل الثقة من فكرةٍ نظرية إلى واقعٍ ملموس. هنا فقط يبدأ لبنان بالخروج من أزمته، لا كشعار، بل كحقيقة..
في النهاية، رسالتي إلى كل لبناني:
دع الخوف جانباً، ولو للحظة، وانظر بعينٍ مختلفة.
تذكّر أن من تعتبره خصماً أو عدواً، هو في الحقيقة أخوك في الإنسانية… وشريكك في هذا الوطن.
لسنا محكومين بالخوف، ولا محكومين بالكره، بل بما نختار أن نكونه.
فإمّا أن نبقى أسرى لما زُرع فينا، وإمّا أن نكسر هذه الحلقة، ونبدأ من جديد… معاً.
ولا تُراهن على أحدٍ من الخارج، لا إيراني ولا أمريكي ولا إسرائيلي ولا فرنسي ولا روسي… ولا غيرهم،
فالدول لا تتحرّك بدافع العاطفة، بل وفق مصالحها.
ومن لا يبني وطنه بيده، لن يبنيه له أحد..