*الحنين إلى الوطن… حين تتحول الذكريات إلى وطنٍ بديل

الجمعة 17 أبريل, 2026

بقلم أسماء السباعي مسؤول اللجنة الإعلامية في الجمعية الكويتية للغة العربية 

في لحظاتٍ خافتةٍ من صخب الأيام، حين تهدأ المدينة قليلًا، ويصمت الضجيج الذي يسكننا أكثر مما نسكنه، يتسلّل الحنين كضيفٍ قديمٍ لا يحتاج إلى استئذان. لا يطرق الباب، بل يفتح نوافذ الروح دفعةً واحدة، فتدخل منه رائحة الطين بعد المطر، وصوت الأذان في الفجر البعيد، وضحكة أمٍ كانت تُخفي تعبها خلف الدعاء.
* الحنين إلى الوطن ليس مجرّد ذكرى عابرة، ولا هو ترف شعوريّ نمارسه حين نملّ من الحاضر، بل هو حالة وجودية عميقة، كأن الإنسان خُلق وفي داخله خيطٌ خفيّ يشدّه دائمًا إلى نقطةٍ أولى… إلى بداية الحكاية.
* نحن لا نشتاق إلى المكان بقدر ما نشتاق إلى أنفسنا فيه. إلى تلك النسخة البسيطة التي كانت تعرف كيف تفرح بلا أسبابٍ معقّدة، وتبكي بلا خوفٍ من انكشاف الضعف. نشتاق إلى وجوهٍ لم تكن تسألنا كثيرًا: لماذا تغيّرت؟ بل كانت تقول فقط: "إنت كويس؟"
* وفي الغربة—أيًّا كان شكلها، حتى وإن كانت غربة داخل نفس الوطن—يصبح الإنسان كأنه يسير بنصف قلب. نصفٌ يعيش، يعمل، ينجح، ويجتهد، والنصف الآخر معلّقٌ هناك… عند شارعٍ ضيّقٍ يعرف خطواته، أو شرفةٍ كانت شاهدةً على أول أحلامه.
* الغريب أن الوطن لا يتغيّر بقدر ما تتغيّر نظرتنا إليه. نغادره ونحن نحمل منه ما ظنناه قليلًا، ثم نكتشف—بعد أن نبتعد—أننا تركنا فيه أكثر مما أخذنا. تركنا ضحكاتنا الأولى، وملامحنا قبل أن تُرهقها التجارب، وتركنا جزءًا من الطمأنينة لا يُعوَّض.
* الحنين إذًا ليس ضعفًا، بل هو دليل انتماء. هو إعلانٌ داخلي بأن جذورنا ما زالت حيّة، مهما امتدّت بنا الطرق. هو يقينٌ صامت بأن هناك مكانًا، مهما ابتعدنا عنه، سيظل يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.
* ولعلّ أجمل ما في الحنين أنه لا يطلب المستحيل، لا يُلزمنا بالعودة الفعلية بقدر ما يدعونا للعودة المعنوية… أن نحمل الوطن في أخلاقنا، في لغتنا، في طريقتنا في الحب والوفاء. أن نصير—حيثما كنّا—امتدادًا حيًّا له.
* فالوطن الحقيقي، في النهاية، ليس قطعة أرضٍ فحسب، بل حالة شعور. يسكن فينا كما نسكن فيه. وإذا ضاقت بنا الدنيا يومًا، يكفي أن نغمض أعيننا قليلًا… لنعود.