هدنة على حافة النار ، من يُطفئ الحرب… ومن يُخفيها؟

الخميس 16 أبريل, 2026

بقلم :د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

ليست الهدنة التي نسمع عنها اليوم سوى صمتٍ مُلغّم، لا سلاماً حقيقياً. في منطقتنا، لا تأتي التهدئة لأن النار انطفأت، بل لأن من أشعلها قرّر أن يتركها تحت الرماد… بانتظار لحظةٍ أنسب للاشتعال من جديد.
حين تُعلن إسرائيل التزامها بالهدنة، لا ينبغي أن نُخدع باللغة الدبلوماسية. فالتجربة أثبتت أن الالتزام هناك ليس مبدأً، بل أداة تكتيكية. تلتزم حين تريد أن تلتقط أنفاسها، وتخرق حين ترى أن الفرصة مؤاتية لفرض واقعٍ جديد. وهنا يكمن الخطر: أن يتحوّل “الهدوء” إلى غطاء لإعادة إنتاج الحرب، لا لإنهائها.
الهدنة، في حقيقتها، ليست سوى إدارة مؤقتة للصراع. هي لحظة يعيد فيها كل طرف ترتيب أوراقه: من بقي؟ ماذا خسر؟ كيف يرد؟ وأين يضرب لاحقاً؟ أما الشعوب، فتبقى خارج الحسابات، تُحصي شهداءها وتعدّ بيوتها المهدّمة، فيما تُرسم فوقها خرائط المرحلة المقبلة.
لكن السؤال الأخطر ليس: هل ستلتزم إسرائيل؟
السؤال الأخطر هو ، لماذا اندلعت الحرب أصلاً؟
لم تكن هذه الحرب حادثاً عابراً، بل نتيجة تراكمات انفجرت في لحظة واحدة:
ردعٌ متآكل، رسائل إقليمية تُدار بالنار، ومحاولات لفرض قواعد اشتباك جديدة. في كثير من الأحيان، لا تكون الحرب بهدف الحسم، بل بهدف إعادة ضبط التوازن بالقوة. أي أن الدم يُستخدم كوسيلة تفاوض، لا كأثر جانبي.
وهنا تظهر الحقيقة القاسية، ليس من يقرّر الحرب هو من يدفع ثمنها.
في كل جولة، هناك من يربح وسياسيون يعززون مواقعهم، قوى إقليمية تثبّت نفوذها، وصناعات عسكرية تزدهر.
لكن في المقابل، هناك من يخسر كل شيء:
الناس… البيوت… الاقتصاد… والاستقرار الذي لا يعود كما كان.
أما عن التعويض، فالكلام فيه يكاد يكون خداعاً منظّماً.
من يعوّض أمّاً فقدت ابنها؟
من يعيد مدينةً إلى ذاكرتها قبل الدمار؟
قد تأتي أموال لإعادة الإعمار، نعم… لكنها غالباً مشروطة، بطيئة، ومسيّسة.
وقد تُبنى الجدران من جديد، لكن الإنسان الذي تهدّم في الداخل لا يُعاد بناؤه بسهولة.
لهذا، فإن أخطر ما في هذه المرحلة ليس الحرب نفسها، بل الوهم بأننا تجاوزناها.
الهدنة الحالية قد لا تكون سوى استراحة بين جولتين، لا أكثر.
والتحذير هنا واضح:
إذا لم تتغيّر قواعد الصراع، وإذا بقي القرار مرتهناً، وإذا استمر التعامل مع الدم كأداة سياسية…
فإن ما نراه اليوم ليس نهاية، بل بداية مؤجلة لانفجارٍ أكبر.
نحن لا نعيش سلاماً…
نحن نعيش تأجيل الحرب..