في لبنان… سياسيّون مُؤمَّنون، أدوية مفقودة، وشعب يُترك ليموت
الخميس 12 فبراير, 2026بقلم: د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
أتوجّه بنداء مباشر إلى كل اللبنانيّين، هذه المقالة ليست رأيًا شخصيًّا فقط ، بل صرخة باسم كل مريض، وكل عامل، وكل عائلة عانت من الإذلال على أبواب المستشفيات. اقرأوها بوعي، شاركوها بضمير، وانشروها على أوسع نطاق. أرسلوها إلى أصدقائكم، عائلاتكم، المغتربين، الإعلاميين، والناشطين، لتصل إلى كل بيت وكل قرية وكل مريض ينتظر حقّه. لا تتركوا هذه الصرخة تموت في الصمت.
في لبنان، لا يُهان المواطن فقط بالفقر والبطالة وانهيار العملة، بل يُهان يوميًّا على أبواب المستشفيات. يُهان حين يُقال له، “أنت غير مضمون”، “ليس لك تغطية”، “ادفع أو مت”. ويُهان أكثر حين يكتشف أنّ أغلب الأدوية التي يحتاجها غير مضمونة، أو مفقودة، أو لا تُصرف إلا نقدًا وبأسعار خيالية، وكأنّ المرض أصبح جريمة يُعاقَب عليها الفقير.
في هذا البلد، السياسيّون وعائلاتهم يتمتّعون بأفضل التأمينات داخل لبنان وخارجه، فيما يُترك المواطن بلا حماية، بلا دواء، بلا كرامة. في بلدٍ بلا رحمة، تُؤمِّن السلطة نفسها وتدفن الناس، ويتحوّل النظام السياسي إلى منظومة تحمي الزعماء وتكسر المرضى.
منذ أكثر من ثلاثين عامًا، تعاقبت الحكومات، وتبدّلت الوجوه، وتغيّرت الشعارات، لكنّ شيئًا واحدًا لم يتغيّر: غياب نظام صحي وطني عادل. مليارات الدولارات صُرفت باسم “الإصلاح” و“الدعم” و“التطوير”، ولم يصل منها شيء إلى المريض الفقير. صُرفت على الصفقات والمحاصصة والمصالح، فيما تُرك المواطن يواجه المرض وحده.
الضمان الاجتماعي الذي يتباهون به اليوم هو صندوق ضعيف وشبه منهوب، عاجز عن تغطية أبسط الحالات. التغطية ناقصة، أغلب الأدوية غير مضمونة، المستشفيات ترفض المرضى، والمريض يتحوّل إلى متسوّل على باب العلاج. ومع ذلك، لم يُحاسَب مسؤول واحد، ولم يُفتح ملف واحد بجدّية.
والأخطر من ذلك، أنّ في لبنان مواطنين “مضمونين” اسمًا، لكن لا أحد يعترف بضمانهم عمليًا. ومن يملك تأمينًا خارجيًا، أو ضمانًا في بلد آخر، أو حتى تغطية جزئية، يُفاجأ بأنّ المستشفيات لا تعترف به، وبأنّ وزارة الصحة ترفض تغطيته على حسابها بحجّة أنّه “مضمون”. فيُترك بين مستشفى يرفضه، ووزارة تتنصّل منه، ومصيرٍ مجهول يهدّد حياته. في أي بلد في العالم يُعاقَب المواطن لأنّه يحمل ضمانًا؟ وفي أي دولة يُترك الإنسان يموت لأنّ أوراقه “غير مناسبة إداريًا”؟
آلاف الشركات والمؤسسات تشغّل موظفين بلا أي تأمين، بلا ضمان، بلا حماية. الدولة تعرف، والوزارات تعرف، والتفتيش يعرف، لكنّ الجميع يصمت، لأنّ أصحاب هذه الشركات محميّون سياسيًّا. تأمين للنافذين، ومقابر للفقراء. هذه هي المعادلة الحاكمة.
العامل الذي يمرض أو يُصاب بحادث يتحوّل فجأة إلى عبء على عائلته. تُباع البيوت، تُرهن الأراضي، تُستدان الأموال، وتُكسر الكرامة، فقط من أجل البقاء حيًّا. حين يصبح العلاج امتيازًا والموت احتمالًا يوميًّا، نكون أمام جريمة اجتماعية منظَّمة.
في المقابل، لا يعرف السياسيّون معنى الانتظار في الطوارئ، ولا البحث عن سرير، ولا الاستدانة للعلاج. علاجهم مؤمَّن، سفرهم الطبي مؤمَّن، فواتيرهم مدفوعة من المال العام أو من شبكات المصالح. دولةٌ تُنقذ السياسيّين وتقتل مواطنيها، ثمّ تتحدّث عن “الإنجازات”.
يتغنّون بالعدالة الاجتماعية في الخطب، بينما يرفضون إقرار تأمين صحي شامل وإلزامي لكل مواطن ومقيم. يرفضونه لأنّه يحدّ من قدرتهم على الابتزاز، وعلى تحويل المرض إلى ورقة انتخابية، وعلى استخدام المستشفيات والدواء كوسيلة سيطرة.
في المقابل، دول عربية عديدة سبقت لبنان في هذا المجال. مصر أقرت نظام التأمين الصحي الشامل، والإمارات فرضت التأمين الإلزامي، وتونس تسير نحو التغطية الشاملة، والسعودية وقطر اعتمدتا أنظمة إلزامية واسعة. دول ليست أغنى من لبنان بالضرورة، لكنها أكثر احترامًا لشعوبها.
لبنان ليس فقيرًا. لبنان منهوب. المشكلة ليست في غياب المال، بل في سرقته، وفي غياب الإرادة السياسية لبناء دولة تحترم حياة الناس.
من هنا، نطالب بوضوح لا لبس فيه بفرض تأمين صحي إلزامي وشامل لكل مواطن وكل مقيم على الأراضي اللبنانية، دون أي استثناء، وبأن تتحمّل الدولة كامل كلفة التأمين عن كل من لا يملك القدرة المالية، من عاطلين عن العمل، وكبار سن، وذوي دخل محدود، ومرضى مزمنين، مع تغطية فعلية للأدوية الأساسية والعلاجات الضرورية.
كما نطالب بقانون صارم يُلزم كل صاحب عمل بتأمين موظفيه، وبملاحقة كل شركة مخالفة، وبمحاسبة كل مسؤول تواطأ مع هذا الانهيار.
نريد نظامًا صحيًّا وطنيًّا يُموَّل بعدالة، يُدار بشفافية، يُراقَب بصرامة، ويُحاسَب فيه كل فاسد.
أيّها السياسيّون، أنتم مسؤولون عمّا وصلنا إليه. لا تهرّبوا من الحقيقة، ولا تختبئوا خلف الطوائف والشعارات. أنتم من دمّر الضمان، وترك الأدوية تختفي، وحمى المخالفين، وترك الناس تموت بصمت.
الشعب الذي يُترك بلا علاج لن ينسى.
والإنسان الذي تُكسر كرامته لن يسامح.
والدولة التي لا تحمي صحة مواطنيها لا تستحقّ أن تُسمّى دولة.
التأمين حقّ، لا منّة.
والكرامة ليست خيارًا.
والحساب آتٍ.