دكاكين «الناولني» خارج القانون… خطرٌ صامت على الأمن والمجتمع

الأحد 25 يناير, 2026

بقلم :د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

لم يعُد انتشار ما يُعرف بدكاكين «الناولني» في عددٍ من المناطق اللبنانيّة مسألةً تجاريّة عابرة أو تفصيلاً إداريّاً قابلاً للتجاهل، بل تحوّل إلى قضيّة أمن مجتمعي وسيادة قانون. فحين تعمل محالّ خارج الأطر القانونيّة، من حيث الترخيص، وطبيعة النشاط، وهوية العاملين فيها، يصبح الخطر كامناً لا في شكل الدكّان، بل في ما يُدار داخله وبمن يُدار.

تشير وقائع ميدانيّة متداولة إلى أنّ عدداً من هذه الدكاكين يعمل بلا تراخيص واضحة، ويُشغِّل عمّالاً من دون أوراق ثبوتيّة أو إقامات شرعيّة، في ظل غياب أيّ رقابة فعليّة على طبيعة البضائع، ومصادرها، ومسارات توزيعها. وهذا الواقع لا يُشكّل فقط مخالفة قانونيّة صريحة، بل يخلق بيئة رخوة قابلة للاستغلال على أكثر من مستوى.

والسؤال البديهي الذي يفرض نفسه هو: من يضمن أنّ هذه المحال لا تُستخدم لتوزيع الممنوعات؟
فأيّ نشاط تجاري يعمل خارج الرقابة، ومن دون سجلات رسميّة أو فواتير أو تفتيش دوري، يُسقط تلقائياً عنصر الضمان والمساءلة. وحين يصبح التبادل مباشراً وسريعاً، ويجري “بالتراضي” بين بائعٍ مجهول الوضع القانوني ومواطنٍ يقف أمام الدكّان لتأمين حاجته، تتحوّل العلاقة إلى منطقة رماديّة مفتوحة على كلّ الاحتمالات.

وفي هذا السياق، يبرز سؤالٌ أكثر خطورة: ما الذي يمنع أن تتحوّل بعض هذه الدكاكين إلى نموذج شبيه بـ“أبو سِلّة” في توزيع الممنوعات؟
فالبيع السريع، والاحتكاك المباشر، وغياب الفواتير والتتبّع، وانعدام الرقابة، كلّها عناصر معروفة في أساليب التوزيع غير المشروع. إنّ طرح هذا الاحتمال لا يعني اتهاماً، بل قراءة واقعيّة لآليّات السوق غير المنظَّم، حيث يسهل تمرير مواد محظورة بعيداً عن العين، ويصعب ضبطها بعد وقوع الضرر. وظيفة الدولة هنا ليست نفي الاحتمال، بل إغلاق الباب الذي يسمح بحدوثه أصلاً.

ومن زاوية الوقاية الأمنيّة، لا يمكن أيضاً إسقاط احتمال استغلال بعض هذه الدكاكين كواجهات لنشاطات منظَّمة أو شبكات نائمة، خصوصاً في بلدٍ عانى سابقاً من اختراقات بدأت بثغرات صغيرة ومهملة. إنّ هذا الطرح لا يقوم على الاتهام أو التعميم، بل على مبدأ بديهي في إدارة الأمن: حيث تغيب الرقابة، يسقط الضمان، وحيث يسقط الضمان، يصبح المجتمع كلّه معرّضاً للخطر.

ويزداد القلق حين تنتشر بعض هذه المحال بأبنية سكنيّة وعلى الطريق العام، بما يخالف قوانين تنظيم المدن والسلامة العامّة، ويُقلِق راحة السكّان، ويُفاقم الشعور بانعدام الأمان داخل الأحياء. فالمخالفة هنا لا تمسّ التجارة فحسب، بل السكينة العامّة والنظام القانوني معاً.

في هذا الإطار، لا بدّ من التوقّف عند الخطوة المسؤولة التي قامت بها بلديّة جونيه عبر إزالة هذه الأوكار المخالِفة من الشوارع، وتطبيق القانون بحزم ومن دون تردّد. ما فعلته بلديّة جونيه ليس إجراءً شكليّاً، بل فعل وقائي يحمي المجتمع ويُعيد الاعتبار لهيبة القانون، ويؤكّد أنّ السلطة المحليّة قادرة، متى أرادت، على منع تحوّل الفوضى إلى خطر.

وانطلاقاً من ذلك، فإنّ الاستمرار في التساهل مع هذه الدكاكين الخارجة عن القانون لم يعُد خللاً إداريّاً يمكن تداركه لاحقاً، بل مخاطرة وطنيّة مباشرة. من هنا، يصبح واجباً على وزارة الداخليّة والبلديّات، وعلى معالي وزير الداخليّة تحديداً، إصدار أوامر صريحة وفوريّة إلى الأجهزة الأمنيّة المختصّة، والأجهزة المعلوماتيّة، والمخابرات، بعدم الاستهانة بهذه الأوكار، والتعامل معها كملفّ وقائيّ عاجل لا يحتمل التأجيل. فالأمن لا ينتظر وقوع الحوادث ليتحرّك، بل يمنع شروطها قبل أن تتحوّل إلى وقائع مؤلمة.

المطلوب اليوم ليس حملات موسميّة، بل تفتيش منظّم، تدقيق صارم، وإقفال فوري لكلّ محلّ مخالف، ولا سيّما تلك الواقعة داخل الأحياء السكنيّة أو على محاور عامّة، حيث يتأثّر الأمن والسكينة وراحة المواطنين مباشرة. فالتراخي هنا لا يُسمّى تسامحاً، بل إهمالاً قد تكون كلفته باهظة.

القضيّة ليست في دكّانٍ هنا أو هناك، بل في منع تحويل الفراغ القانوني إلى بابٍ للفوضى والممنوعات والاختراقات. والشكر واجب لكلّ سلطة تتحمّل مسؤوليّتها، كما فعلت بلديّة جونيه. أمّا تجاهل هذا الملف، فهو مغامرة لا يملك لبنان ترف تحمّل نتائجها.
إقفال هذه البؤر اليوم حمايةٌ للمجتمع، وغداً قد يكون إنقاذاً للوطن