حين تُدفَنُ الدِّبلوماسية… وتُفرَضُ الكَرامةُ بالقُوَّة
الأحد 4 يناير, 2026
بقلم .د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لم تَعُدِ الدِّبلوماسيةُ عاجزةً فحسب، بل باتت شريكاً في الجريمة. سُفراءُ العالَم لم يَعُدوا رُسُلَ سَلام، بل شُهودَ زُورٍ على انهيارِ القانُونِ الدُّولي، ومُديري وقتٍ لعدوانٍ مُؤجَّل لا أكثر. البياناتُ تُكتَب، والإداناتُ تُتلى، فيما الدَّمُ يُراق، والأوطانُ تُستنزَف، والسِّيادةُ تُدهَس علناً بلا أدنى خَجَل.
العالَمُ اليوم لا يُحكَم، بل يُفتَرَس. منطقُ القُوَّة حلّ مكانَ القانُون، ومن يَملكُ النّار يَكتبُ الرِّواية، ويُعيدُ تعريفَ الضَّحيّةِ والجلّاد كما يشاء. لم تَعُدِ الحُقوقُ تُنتَزَع عبرَ المحاكم، بل عبرَ ميادينِ الصُّمود، ولم تَعُدِ الشَّرعيّةُ تُستمدّ من قراراتٍ دُوليّة، بل من القُدرةِ على منعِ سَحقِ الذّات.
فِلسطين ليست مأساةً إنسانيّة، بل فَضيحةً سياسيّةً عالَميّة. ولبنان ليس دولةً ضَعيفة، بل ساحةَ اختبارٍ لإرادةِ الكَسر. وسوريا لم تُدمَّر لأنّها أخطأت، بل لأنّها صَمَدَت. واليوم، تمتدّ السِّلسلة إلى فنزويلا وغيرها، لتقول بوضوحٍ فَجّ: كلُّ من يَرفضُ الخُضوع، أو يُطالِب بحيّزٍ سِياديٍّ مُستقل، سيُوضَع على لائحةِ الاستهداف، مهما تغيّرت الذَّرائعُ والعناوين.
في هذا الواقع، يصبح الحديثُ عن “التهدئة” وَهماً، وعن “الحياد” شكلاً من أشكالِ الانتحارِ البَطيء. لا حِيادَ في معركةِ الإلغاء، ولا أمانَ في نظامٍ لا يعترفُ إلا بالأقوى. إمّا أن تكون حاضراً بقُوَّتك، أو غائباً تحت أنقاضك.
لهذا، لم تَعُدِ المواجهةُ خياراً يُناقَش، بل قَدَراً يُفرَض. مواجهةٌ لا تُختَزَل بالسِّلاح وحده، بل بالإرادة، وبالقُدرة على قول “لا” في وجهِ منظومةٍ دُوليّةٍ فاسِدة، تُشرعِنُ القَتل، وتُديرُ الحُروبَ بالوكالة، ثم تتباكى على الضَّحايا أمام الكاميرات.
العَيشُ بكَرامةٍ في هذا العالَم لم يَعُد حقّاً مَضموناً، بل مَعركةً مفتوحة. ومن لا يَملكُ شجاعةَ الدِّفاع عن وجوده، سيُدفَع حتماً إلى أحدِ خيارين لا ثالث لهما: إمّا حياةٌ بلا كَرامة، أو مَوتٌ يُعيدُ للكَرامة معناها.
وما لم تَستفِقِ الشُّعوبُ من وَهمِ الحِمايةِ الدُّوليّة، فإنّ ما جرى لم يكن الذِّروة… بل البداية.