عِندما تُشرْعِنُ القُوَّةُ الفِعْلَ… ويَنْهارُ مَفْهومُ السِّيادَة في النِّظامِ الدُّوليّ المُعاصِر

السبت 3 يناير, 2026

بقلم . د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

مع إعلان اعتقال الرَّئيس الفنزويليّ السّابق نيكولاس مادورو، خارج أيّ مسارٍ قضائيٍّ دُوليٍّ واضح، ودون تفويضٍ صريح من المؤسّسات الأمميّة، عاد سؤالُ السِّيادَة إلى واجهة النقاش العالميّ، لا بوصفه مفهوماً نظريّاً، بل كقضيّةٍ وجوديّة تمسّ جوهر النِّظام الدُّوليّ نفسه.
لم يَعُد السُّؤالُ في النِّظامِ الدُّوليّ المُعاصِر، هل هناك قانُونٌ دُوليّ؟
بل لِمَن يُطَبَّق هذا القانُون؟ ومَتى يُعَلَّق؟
ففي عالمٍ تُعادُ فيه صياغةُ العلاقاتِ بين الدُّوَل، لم يَعُد القانُونُ الدُّوليّ مَرْجِعِيَّةً مُلْزِمَة، بل بات في كثيرٍ من الحالات أداةً انتقائيّة تُستَخدَم حين تُوافِقُ ميزانَ القُوَّة، وتُهمَل حين تُقيِّده.
القُوَّةُ قبلَ القانُون، واقعٌ لا شِعار، ما نشهده اليوم ليس خرقاً عابراً للقانُون الدُّوليّ، بل تطبيعاً مُمنهَجاً لتجاوُزه.
حين تُقدِمُ قُوّةٌ عُظمى على فرض إرادتها خارج أيّ تفويضٍ أُمَميّ، أو من دون مسارٍ قضائيٍّ دُوليّ، فهي لا تقول إن القانُون غير موجود، بل تقول ضِمناً:
القُوَّة هي التفسير الأعلى للشرعيّة.
وهنا تحديداً يبدأ انهيارُ مَفْهومِ السِّيادَة، لا كنصٍّ دُستوريّ، بل كواقعٍ سياسيٍّ قابلٍ للحياة.
لماذا تتصرّف الولاياتُ المتحدة أحياناً كقُوّةٍ فوقَ القانُون؟
أوّلاً: لأن النِّظامَ الدُّوليّ ذاته قائمٌ على اختلالٍ في توازن القُوَّة.
مجلسُ الأمن ليس محكمةً، بل ساحةُ مصالح، والفيتو يمنح حصانةً سياسيّة لا قانونيّة.
ثانياً: لأن منطقَ الإمبراطوريّة يَغلِبُ منطقَ الدولة.
الدولةُ تحترمُ الحدود، أمّا الإمبراطوريّة فترى العالم مجالَ نفوذٍ مُتَحرِّك.
ثالثاً: لأن سابقة الإفلات من المُحاسَبة تحوّلت إلى قاعدة.
من تشيلي، إلى العراق، إلى ليبيا، لم يُحاسَب القرارُ الأقوى، بل فُرِضَ كأمرٍ واقع.
رابعاً: لأن القانُون لم يَعُد مَرجِعاً، بل أداةً سياسيّة.
يُستَحضَر عند الحاجة، ويُعَلَّق عند التعارُض مع المصالح الاستراتيجيّة.
الخَطَر الحقيقي،  تطبيع إسقاط الرُّؤساء بالقُوَّة...
القضيّة ليست في شخصٍ، ولا في نظامٍ بعينه.
الخَطَر الحقيقي هو تحويل إسقاط أو اعتقال رؤساء الدُّوَل إلى سابقةٍ “مقبولة” سياسيّاً إذا ما تعارَضوا مع توجّهات القُوّة العُظمى.
هذا المسار يُفرِّغ السِّيادَة من مضمونها ويَكسِر مبدأ حَقّ الشُّعوب في تقرير مصيرها ويُحوِّل الدُّوَل الضّعيفة إلى كياناتٍ مُعلَّقة على قرارٍ خارجيّ
إنّه انتقالٌ واضح من عالم القانُون، إلى عالم الفِعْل المفروض بالقُوَّة.
فنزويلا مرشّحة لدخول مرحلة اضطرابٍ سياسيٍّ واجتماعيّ، لا بالضرورة حرباً أهليّة.
والفارق جوهريّ الاضطراب، انقسام، احتجاجات، شلل مؤسّسات
الحرب الأهليّة ، انقسام الجيش، جبهات، انهيار شامل
ما سيحسم المسار ليس الشارع وحده، بل موقف المؤسّسة العسكريّة، طبيعة المرحلة الانتقاليّة، حجم التدخّل الخارجيّ
كلّما زاد الإقصاء، زاد خطر الانفجار.
بالنهاية نحن أمام نظامٍ دُوليٍّ يتآكل من داخله.
القانُون لم يسقُط، لكن فاعليّته سُحِبَت لصالح القُوَّة.
والسِّيادَة لم تُلغَ نظريّاً، لكنّها باتت مُشروطة برضى الأقوى.
هذه ليست قراءة لفنزويلا فقط، بل إنذارٌ مُبكِّر لكلّ دولةٍ هشّة،وخصوصاً في الشرق الأوسط، حيث تُختَبَر السِّيادَة يوميّاً…على حافّة القُوَّة.