الوطن المُختبَر، بين سجن الطاعة ومستشفى المسكّنات...كيف تُشرَّع الجريمة باسم “الإنقاذ”؟

الأحد 28 ديسمبر, 2025


بقلم : د. ليون سيوفي 
باحث وكاتب سياسي 

لم أعد أتكلّم كمودِع، ولا كمواطن يملك مالًا أو لا يملكه،بل كمواطن خائف على مصير شعبٍ يُدفع عمدًا إلى قبول الظلم بوصفه قدرًا، والجريمة بوصفها سياسة عامة.
أيُّ دولةٍ هذه التي تسمح لمن سرق أموال الناس أن يجلس على طاولة القرار، ويقرّر كيف، ومتى، وبأي فتات سيُعيد الحقوق إن أعادها من دون محاكمة، من دون مساءلة، ومن دون حتى اعتذار شكلي؟
لسنا أمام أزمة مالية، نحن أمام انقلابٍ صامت على مفهوم العدالة.
فالعدالة، حين تُعلَّق بذريعة “الإنقاذ”، تتحوّل إلى امتياز للنخب لا إلى حقٍّ عام.
من نهب المال العام والخاص لا يملك شرعية، وضع “خطة تعافٍ”، أو التفاوض باسم الدولة، أو الاحتماء بصندوق النقد الدولي لتبييض الجريمة بلغةٍ تقنية باردة.
الصندوق يطلب أرقامًا وانضباطًا مؤسسيًا.
أمّا العفو عن المرتكبين، فهو قرار داخلي اتخذته منظومة اعتادت تحويل كل جريمة كبرى إلى تسوية، وكل تسوية إلى نظام حكم.
ما يُسوَّق اليوم ليس إنقاذًا… بل عفوًا عامًا مُقنَّعًا.
وهنا، يفرض السؤال نفسه لا بوصفه مجازًا بل تشخيصًا...هل نعيش في سجنٍ كبير… أم في مستشفى؟
إن كان سجنًا، فهو سجن بلا جدران، تُقيَّد فيه الحرية بالحاجة، ويُستبدل السوط بالخوف، ويُكافَأ الصمت، وتُجرَّم المطالبة بالحق باسم “الاستقرار”.
وإن كان مستشفى، فهو مستشفى بلا أطباء،تُدار فيه الأزمات بالمسكّنات لا بالعلاج، ويُمنَع التشخيص لأنّه يفضح الفاعل، وتُؤجَّل الجراحة لأنّ الجرّاح هو نفسه سبب النزيف.
لكن الحقيقة أعمق وأخطر، نحن في نظامٍ مزدوج الوظيفة
سجن عند الاعتراض، ومستشفى عند التبرير.
يُقمع الصوت باسم النظام، وتُشرعَن الخسارة باسم التعافي، ويُطلب من الناس الصبر… إلى أجلٍ غير مُسمّى.
هذا ليس فشل إدارة، بل فلسفة حكم، أن تتحوّل الدولة من حارسٍ للحقوق إلى مُديرٍ للخسارة، ومن قاضٍ يُحاسب إلى وسيطٍ يُقنِّن الظلم.
والتاريخ اللبناني يقدّم سابقة مرعبة، بعد اتفاق الطائف، جرى العفو عن الجرائم بلا حقيقة ولا عدالة، فتحول المرتكبون إلى زعماء، والضحايا إلى تفصيل، والدولة إلى غنيمة.
اليوم يُعاد السيناريو ذاته بلغةٍ جديدة، نهبٌ منظّم يُسمّى “إعادة هيكلة”، سرقة ودائع تُسمّى “توزيع خسائر”ومسؤولون يُعاد تدويرهم كـ“خبراء”.
الأخطر من ضياع المال هو شرعنة الجريمة، فحين يتعلّم المواطن أن السارق لا يُحاسَب، والمجرم يُكافَأ، والفاسد يُعاد إنتاجه،رتُكسَر العلاقة بين المجتمع والقانون،ويُستبدل الانتماء بالخوف،ووتتحوّل الدولة إلى إدارة أزمات لا إلى كيانٍ سيادي.
لسنا أمام أزمة أرقام، بل أمام نظام يقول للناس بوضوح “نحن قرّرنا، نحن سرقنا، نحن سنبقى… وأنتم ادفعوا الثمن واصمتوا”.
لكن الشعوب التي تُدفَع طويلًا إلى الزاوية،إمّا تُدفن حيّة،أو تنهض لتُسائل الشرعية نفسها.
والتاريخ دائمًا لا يرحم من شرعن الظلم، ولا يعفو عمّن حوّل الوطن إلى سجنٍ باسم الاستقرار، ومستشفى باسم الإنقاذ...