إرادَةُ مَن؟ وَلِمَصالِحِ مَن تَعمَل؟ هَل لُبنانُ الرّابِحُ أَمِ الضَّحيَّة؟
السبت 27 ديسمبر, 2025بقلم :د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
مَن هي «كُلُّنا إِرادَة»؟
وَلِمَصالِحِ مَن تَعمَل؟
ومَن يَقفُ خَلفَها فِعلًا؟
والسُّؤالُ الأَخطر، هَل تُمَثِّلُ مَشروعَ إِنقاذٍ لِلُبنان، أَم مَدخَلًا ناعِمًا لإِعادةِ تَشكيلِهِ وَفقَ مَصالِحَ خارِجيَّة؟
تُقَدَّم «كُلُّنا إِرادَة» لِلرَّأيِ العامّ بوَصفِها جَمعيَّةً إِصلاحيَّةً، تِكنوقراطيَّةً، غيرَ حِزبيَّة، تَحمِلُ خِطابَ الدَّولة، والحَوكَمَة، ومُكافَحةِ الفَساد.
غيرَ أَنَّ السِّياسَة لا تُقاسُ بالشِّعارات، بل بِالتَّمويل، وبِالشَّبكات، وبِالأَجنداتِ غيرِ المُعلَنَة.
مَن يَتَتَبَّعُ مَسارَ هٰذِهِ الجَمعيَّة يُلاحِظُ بوضوحٍ أَنَّها:
ليست حَالَةً شَعبيَّةً صاعِدَةً مِن القاعِ الاجتماعيّ،
ولا تَعبيرًا عن غَضَبٍ عامٍّ مُنظَّم،
بل مَشروعٌ نُخبويٌّ مُموَّل، مَسنودٌ خارِجيًّا، يَتحرَّكُ ضِمنَ هَوامِشَ مَرسومَةٍ بِدِقَّة.
خِطابُها يَتَقاطَعُ كُلِّيًّا مع أَولويّاتِ المُؤسَّساتِ الماليَّةِ الدَّوليَّة، لا مع أَولويّاتِ المُجتمعِ اللُّبنانيّ المُنهَك.
المُشكِلَة ليست في الدَّعوةِ إلى الإِصلاح، بل في نَوعِ الإِصلاحِ المطروح.
إِصلاح «كُلُّنا إِرادَة» يقوم على،إِعادةِ هَيكَلَةِ الدَّولة وَفقَ مَنطِقِ السُّوق، تَحميلِ المُجتمع كُلفةَ الانهيار، تَقديمِ السِّيادَة كَمَلَفٍّ قابِلٍ لِلتَّفاوض تَحتَ عُنوان «الإِنقاذ» وهُنا تَكمُنُ الخُطورَةُ الحَقيقيَّة.
عِندما تُختَزَلُ الأَزمَةُ اللُّبنانيَّة في أَرقامٍ وتَقارِير، وتُفصَلُ عن سِياقِها السِّياسيّ والتّاريخيّ والاجتماعيّ، يَصيرُ الحَلّ وَصفَةً جاهِزَة...خَصخَصَة، شَطبُ حُقوق، تَفكيكُ دَورِ الدَّولة، وربطُ القَرارِ الماليّ والاقتصاديّ بالخارِج.
هٰذا ليس إِنقاذًا، بل تَكييفُ لُبنان مع انهيارِهِ بَدَلَ الخُروجِ مِنه.
مَن يَربَح؟ ومَن يَخسَر؟
لُبنان، كَكِيانٍ اجتماعيّ، وكَطَبَقَةٍ وُسطى، وكَفِئاتٍ ضَعيفَة، لَن يَستَفيد.
المُستَفيد هو نَموذَجُ الدَّولةِ الضَّعيفَة القابِلَة للإِدارَةِ مِن الخارِج، الدَّولة الّتي تُدارُ بالأَرقام لا بِالإِرادَةِ الشَّعبيَّة.
أَمّا الخاسِر، فَهُوَ المُجتمع الّذي يُدفَعُ إلى قَبولِ خَسائِرِهِ كَقَدَر، وحُقوقِهِ كَتَرف.
جَمعيَّة؟ أَم قُوَّةٌ سِياسِيَّة؟ الأَخطَر أَنَّ «كُلُّنا إِرادَة» لم تَعُد، في المُمارَسَة، مُجرَّدَ جَمعيَّةٍ مَدنيَّة، نَحنُ أَمام قُوَّةٍ سِياسِيَّةٍ فِعليَّة....تُؤثِّر، تَضغَط، تُرشِّح، تُسَمِّي، وتُفاوِض من دون أَن تَخضَعَ لِمُساءَلَةٍ انتخابيَّةٍ أو حِزبيَّةٍ مُباشِرَة.
حين تُشارِك في تَسمِيَةِ رَئيسِ حُكومَة، وحين يكون لَها وُزَراء داخِلَ السُّلطةِ التَّنفيذيَّة، ونُوّاب يَتبنَّون خِطابَها داخِلَ المَجلِس النِّيابيّ، نَكونُ قَد خَرَجنا مِن تَعريف «المُجتمعِ المَدنيّ»، ودَخَلنا نَموذَج حِزبٍ بلا إِعلان، أَو دَولةٍ داخِلَ الدَّولة بلا مَسؤوليَّةٍ دُستوريَّة.
المُشكِلَة الجَوهَريَّة ليست في الرُّؤيَة، بل في ازدِواجيَّةِ المَوقِع والخطر ..خِطابٌ إِصلاحيّ مِن خارِج السُّلطة، ونُفوذٌ مُقَرِّر داخِلَها، نَقدٌ لِلمَنظومَة، مع شَراكَةٍ فِعليَّة في قَراراتِها،
هٰذا النَّموذَج لا يُنتِج إِصلاحًا، بل يَنقُلُ مَركَزَ القَرار مِن المُؤسَّسات إلى شَبَكاتٍ غيرِ مُنتَخَبَة، ويُفَرِّغُ الدِّيمقراطيَّةَ مِن مَعنَاها.
«كُلُّنا إِرادَة» ليست شَيطانًا مُطلَقًا، ولا جَمعيَّةً بريئَة.
لكنَّها بالتَّأكيد ليست مَشروعَ خَلاصٍ وطنيّ.
إنَّها جُزءٌ مِن مَعرَكَةٍ كُبرى على شَكلِ لُبنان المُقبِل، لُبنانُ الدَّولةِ السِّيِّدَةِ العادِلَة، أَم لُبنانُ المَشروعِ القابِلِ لِلتَّفكيك؟
التّاريخ يُعَلِّمُنا أَنَّ أَخطَرَ ما يُواجِهُ الأَوطان لَيسَ الخَصمَ المُعلَن، بل المَشروعَ الّذي يَدخُلُ مِن بابِ «الإِنقاذ».
فالدَّولة لا تُبنى بِجَمعيَّاتٍ قويَّة، بل بِمُؤسَّساتٍ قويَّةٍ تَخضَعُ لِلمُساءَلَة.
والسّؤالُ الحقيقيّ الّذي يَطرَحُهُ كُلُّ مُواطِن: ماذا يُحضَّرُ لِلبَنان في ٢٠٢٦، ولِصالِحِ مَن؟
الإِجابةُ واضِحَة... إمّا إرادةُ شَعبٍ تَفرِضُ نَفسَها… أو وَطَنٌ يُدارُ مِن خَلفِ السِّتار ويُسَلَّمُ بِالتَّقسيط.