كيف نحافظ على المياه .. ونضمن المستقبل؟
الأحد 25 أكتوبر, 2026بقلم المهندس محمد دياب
رئيس اللجنة المركزية للتعليم والبحث العلمي بكيان صوت الخير عضو المنتدى العالمي للدراسات المستقبلية
لم تعد قضية المياه في مصر مجرد ملف خدمي يرتبط بتوفير مياه الشرب، بل أصبحت قضية استراتيجية تمس الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية وحقوق الأجيال القادمة. ومع تزايد الاحتياجات المائية والنمو السكاني والتغيرات المناخية، أصبحت الإدارة الرشيدة للمياه ضرورة وطنية تتطلب التخطيط والعمل المستمر.
الأرقام تكشف حجم التحدي
وفقًا لتصريحات وزير الموارد المائية والري خلال لقاء نظمته الهيئة العامة للاستعلامات في سبتمبر الماضي، تُقدَّر الموارد المائية المتجددة في مصر بنحو 65.8 مليار متر مكعب سنويًا، بينما تصل الاحتياجات المائية إلى نحو 123 مليار متر مكعب سنويًا. ويبلغ نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة نحو472 مترًا مكعبًا سنويًا، وهو أقل من حد الندرة المائية المطلقة البالغ 500 متر مكعب للفرد سنويًا.
وتوضح هذه المؤشرات حجم التحدي الذي تواجهه مصر، خاصة أن أكثر من 98 في المائة من مواردها المائية المتجددة تأتي من خارج حدودها .. ولذلك، فإن حماية الأمن المائي تتطلب إدارة فعالة للموارد المتاحة، إلى جانب التعاون الإقليمي والتخطيط طويل الأجل.
ومن المهم توضيح أن الاحتياجات المائية تشمل قطاعات متعددة، ولا تقتصر على مياه الشرب، كما أن الفارق بين الاحتياجات والموارد المتجددة لا يمثل عجزًا مباشرًا مماثلًا في مياه الشرب؛ إذ تدخل إعادة الاستخدام ومصادر الإمداد المختلفة ضمن منظومة إدارة المياه.
لا يكفي البحث عن مصادر إضافية للمياه، بل يجب العمل بالتوازي على تقليل الفاقد، وتحسين كفاءة الاستخدام، وتقييم المشروعات وفقًا للنتائج الفعلية. فكل كمية من المياه يمكن توفيرها أو إعادة استخدامها بأمان تمثل فرصة لتخفيف الضغط على الموارد ودعم التنمية.
وفي هذا السياق، أقترح دراسة مبادرة تحت مسمى «ميزان المياه الوطني»، تهدف إلى تطوير آلية عملية لتقييم استخدام المياه في القطاعات المختلفة، وتحديد فرص تقليل الفاقد، وقياس أثر الحلول والمشروعات المنفذة.
وتقوم الفكرة على تعزيز التعاون بين الجهات المختصة والجامعات ومراكز البحث العلمي، والاستفادة من البيانات المتاحة لتحديد الأولويات. ويمكن البدء بدراسة فنية وتجربة محدودة، ثم تقييم نتائجها قبل التوسع في التطبيق.
ويُقاس نجاح المبادرة المقترحة بحجم المياه التي يمكن توفيرها، وتكلفة هذا التوفير، ومدى استمراره. وهي فكرة تحتاج إلى الدراسة والتنسيق مع الجهات المعنية، وليست برنامجًا قائمًا أو معتمدًا بالفعل.
ويمثل القطاع الزراعي محورًا مهمًا في إدارة المياه لارتباطه المباشر بالأمن الغذائي. ومن هنا تبرز أهمية تطوير نظم الري، وتحسين إدارة التربة، وتوعية المزارعين بالأساليب الأكثر كفاءة، واختيار المحاصيل بما يتناسب مع الظروف المائية لكل منطقة.
كما يمكن للتكنولوجيا أن تسهم في متابعة احتياجات النباتات وتقليل الاستخدام غير الضروري للمياه، بشرط توفير التدريب والدعم الفني، ومراعاة التكلفة الاقتصادية للحلول المقترحة.
ويؤدي البحث العلمي دورًا أساسيًا في تطوير تقنيات معالجة المياه وإعادة استخدامها بصورة آمنة، وتحسين أنظمة القياس والصيانة، واكتشاف الفاقد. لكن الأهم هو تحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات عملية قابلة للقياس، من خلال التعاون بين المؤسسات العلمية والجهات التنفيذية.
وقد اتخذت مصر خطوات مهمة في معالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة الاستخدام، ويظل تعظيم الاستفادة من هذه الجهود مرتبطًا بالتقييم المستمر، والالتزام بالمعايير البيئية والصحية، وربط المشروعات باحتياجات فعلية.
لا تقع مسؤولية حماية المياه على جهة واحدة؛ فهى مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات والمزارعين والمواطنين. فترشيد الاستهلاك، وصيانة الشبكات، والحد من التلوث، ونشر الوعي، كلها خطوات تسهم في الحفاظ على الموارد المتاحة.
وفي المقابل، يجب أن تستمر المؤسسات في تطوير البنية التحتية، وتقليل الفاقد، وتحسين نظم المتابعة، وتوفير البيانات اللازمة لاتخاذ قرارات دقيقة. وتتحقق أفضل النتائج عندما تتكامل جهود الأفراد مع التخطيط الحكومي والبحث العلمي.
إن حماية المياه تحتاج إلى رؤية تربط بين العلم والتكنولوجيا والتوعية والتعاون، مع التركيز على الحلول التي تحقق نتائج ملموسة، بدلًا من الاكتفاء بتشخيص التحديات.
فالأمن المائي لا يتحقق بمجرد توفير المياه، بل بحسن إدارتها، وتقليل الهدر، وتعظيم الاستفادة من كل قطرة. إنها مسؤولية وطنية تتطلب التخطيط والعمل المشترك لحماية موارد مصر وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة