من منصة أممية إلى قواعد اللعبة: هل يقلب «المنفي» طاولة «الوصاية» في ليبيا؟

الأربعاء 23 سبتمبر, 2026

 في اللحظات السياسية الفاصلة، لا تُقاس الخطابات الدبلوماسية بما تُعلنه من مواقف رسمية فحسب، بل بقدرتها على تفكيك «المسلمات» التي أطالت أمد الصراع. من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكتفِ رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، بتقديم إحاطة تقليدية عن مشهد معقد؛ بل اتجه رأساً نحو العصب الحيوي للأزمة: نفي جدوى «إدارة الصراع» والمطالبة بتصفية مسبباته من الجذور.

​الرسالة المعنوية القادمة من نيويورك لم تكن موجهة فقط للداخل المتشظي، بل للفاعلين الدوليين والإقليميين؛ ليبيا تسعى للخروج من خانة «دولة الأزمة» المستدامة إلى مربع «السيادة الموجّهة»، معلنةً انطلاق مسار يرفض التسويات المؤقتة ويؤسس لشرعية تعود حصرياً لإرادة صندوق الاقتراع.

​كسر دوامة «الصفقات المؤقتة»

​جاء الخطاب ليرسم حداً فاصلاً بين مفهومين: «استمرار إدارة الأزمة» كمظلة لبقاء الأوضاع الراهنة، و«إنهاء الأزمة» كضرورة وجودية. وضع المنفي الانتخابات والاستفتاءات في موضع المقوم التأسيسي للدولة، لا مجرد إجراء إجرائي شكلي. وفي قراءته للواقع، بدا واضحاً أن قفز الفاعلين فوق التوافقات الأولية كان دائماً لغم الاستحقاقات الانتخابية؛ ومن هنا جاء الطرح بإنشاء «لجنة وطنية للتهدئة وبناء الثقة».

​هذه الخطوة تشكل محاولة لردم الفجوة التاريخية بين مسار المصالحة الوطنية والعملية السياسية، عبر تحييد نقاط التوتر واحتواء التصعيد مسبقاً، ضماناً لعدم تحول صندوق الاقتراع نفسه إلى شرارة لصراع جديد.

​خطوط حمراء بوجه «الوصاية الناعمة»

​في الملف الخارجي، ارتفعت نبرة الخطاب لترسيم حدود حاسمة مع المجتمع الدولي:

​الملكية الوطنية أولاً: الوساطات الأمومية والدولية مرحب بها كـ "كفييل ودائم"، لكنها مرفوضة تماماً إذا انحرفت لتصبح "صناعة للحلول من الخارج" أو فرض وصاية.

​إعادة تعريف الشراكة: دعت طرابلس إلى نقض معادلة "استبدال نفوذ بنفوذ". المحك الحقيقي للشراكة الدولية ليس قدرة الدول على التدخل في المؤسسات الليبية، بل مدى مساهمتها في الاستثمار، الطاقة، وتنمية الاقتصاد المحلي.

​سيادة القانون والدولة: الربط الصريح بين القرار الوطني المستقل وخضوع السلاح لسلطة القانون، ومحاربة شباك الفساد والمال السياسي المتغلغل.

​استعادة الفضاء الإفريقي وطموح أممي جديد

​لم تنغلق الرؤية عند حدود الصراع الداخلي، بل أعادت تموضع ليبيا جغرافياً وسياسياً:

​العمق الإفريقي والأورو-متوسطي: التأكيد على أن ليبيا ليست مجرد حارس لحدود أوروبا ضد الهجرة، بل "جسر تنموي وطاقوي" يربط أفريقيا بالمتوسط، مع اعتبار أمن منطقة الساحل امتداداً مباشراً للأمن القومي الليبي.

​مقعد مجلس الأمن (2028–2029): إعلان الترشح لعضوية المجلس عن المقعد الإفريقي تحت شعار "تكريس العدالة من أجل الأمن والسلام" يعكس رغبة طرابلس في التحول من "بند ثابت على جدول الأعمال الدولي" إلى "فاعل مشارك في صنع القرار العالمي".

​الثوابت الإقليمية: تجديد التضامن مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج كعنصر استقرار إقليمي، إلى جانب التمسك بالحظر والرفض التام لتقويض حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وفق القرارات الدولية.

​التحدي الواقعي: من النص إلى الأرض

​في المحصلة، يحاول الخطاب إعادة صياغة السؤال الليبي: بدلاً من البحث عن أساليب لتعايش الفرقاء مع الانقسام، يجب تفكيك البيئة المحدِثة له.

​لكن نقل هذه الرؤية من أروقة نيويورك إلى أزقة طرابلس وبنغازي وسبها يظل مرهوناً بمدى قدرة القوى المحلية على كسر ارتهاناتها الحزبية والمناطقية، ومدى جدية القوى الدولية في التعاطي مع ليبيا كـ "شريك متكافئ" لا كـ "ساحة لتوازنات النفوذ".