حين كان الحكواتي يجلس بين العرب والكرد
الجمعة 22 مايو, 2026قبل ظهور الهواتف الذكية بوقت طويل، وقبل أن تتحول السياسة إلى المصدر الوحيد للروايات الكبرى في المنطقة، كان الناس يجتمعون ليلاً حول شخص واحد يحمل قدرة نادرة، في أن يجعل الجميع ينصتون.
في المقاهي القديمة، وفي ساحات القرى، وحتى داخل البيوت الطينية البسيطة، كان ( الحكواتي ) يؤدي دوراً يتجاوز الترفيه، لقد كان ناقلاً للذاكرة، وحارساً للحكايات، وصانعا لخيال جماعي عاش داخله العرب والكرد معاً دون كثير من الحواجز.
المثير أن ثقافة الحكواتي لم تكن حكراً على مدينة أو قومية بعينها، فقد عرفها العرب كما عرفها الكرد، وتطورت داخل البيئات الشعبية المتقاربة التي كانت ترى في الحكاية وسيلة لفهم العالم، وتخفيف قسوة الحياة، وتعليم الأجيال الجديدة معنى الشجاعة والحب والوفاء.
وحين نستمع اليوم إلى بعض الروايات الشعبية الكردية القديمة، سنكتشف أن بنيتها السردية تشبه إلى حد بعيد الحكايات العربية التقليدية، البطل الفقير الذي يواجه الظلم، والمرأة الحكيمة، والشيخ صاحب الكلمة المؤثرة، والفارس الذي يقطع المسافات دفاعاً عن الكرامة، وحتى فكرة “الرحلة” بوصفها اختباراً للإنسان، كلها عناصر تتكرر في الموروثين معاً وكأنهما خرجا من بيئة شعورية واحدة.
ولم يكن هذا التشابه وليد الصدفة، فالاحتكاك الطويل بين المجتمعات العربية والكردية أنتج مساحة سردية مشتركة، انتقلت فيها القصص من لغة إلى أخرى، ومن قرية إلى أخرى، حتى فقدت أحياناً هويتها الأصلية وأصبحت ملكاً للجميع.
في بعض مناطق الجزيرة السورية مثلاً، ما يزال كبار السن يتذكرون حكايات كان يرويها حكواتيون أكراد داخل تجمعات عربية، والعكس صحيح، ولم يكن الجمهور يسأل كثيراً عن قومية الراوي بقدر اهتمامه بقدرته على شدّ الانتباه وإثارة الخيال.
هذا النوع من التداخل الثقافي يكشف شيئاً مهماً عن طبيعة العلاقة بين الشعوب، فحين تتشارك الجماعات البشرية القصص نفسها، فهي لا تتشارك الترفيه فقط، بل تتشارك أيضاً القيم والمخاوف والأحلام والصور الذهنية عن البطولة والعدالة والحياة.
وربما لهذا السبب تحديداً تبدو الحكايات الشعبية أكثر صدقاً أحياناً من الوثائق السياسية، لأنها تُظهر كيف عاش الناس فعلاً، لا كيف أرادت الأنظمة أو النخب أن يظهروا.
اليوم، وبينما تتراجع الثقافة الشفوية تدريجياً أمام العالم الرقمي السريع، تظهر حاجة متزايدة للحفاظ على هذا الإرث المشترك بوصفه جزءاً من الذاكرة الاجتماعية للمنطقة، ليس باعتباره مادة فولكلورية فقط، بل باعتباره دليلاً حياً على أن العرب والكرد لم يعيشوا دائماً داخل معادلات الصراع التي تُقدَّم اليوم وكأنها قدرٌ أبدي.
ضمن هذا الإطار، تحاول بعض المشاريع الثقافية العربية إعادة فتح النقاش حول المشتركات الإنسانية بين الشعوب في المنطقة، بعيداً عن المقاربات السياسية الضيقة.
ومن بين هذه المشاريع، تواصل حملة «تكامل… عرب وكرد… مصير مشترك»، احد مشاريع ، شبكة الاستشراف الدولية للدراسات والاستشارات والاعلام، العمل على استعادة المساحات الثقافية التي جمعت العرب والكرد عبر التاريخ، باعتبارها مدخلاً أكثر هدوءاً وواقعية لفهم العلاقة بينهما.