بقلم :د. ليون سيوفي باحث وكاتب سياسي
السبت 28 فبراير, 2026المنطقةُ اليوم لا تقفُ على شفيرِ حَربٍ مُعلَنة، بل على حافَّةِ حِساباتٍ دقيقة تُدارُ بالأعصابِ الباردةِ والخطاباتِ الساخنةِ في آنٍ معاً. التصعيدُ القائم ليس عشوائياً، بل هو جزءٌ من لعبةِ الرَّدعِ المُتبادَل، حيث يسعى كلُّ طرفٍ إلى تثبيتِ خطوطه الحمراء من دون الانزلاق إلى مواجهةٍ شاملة قد تُغيِّر وجهَ الشرق الأوسط بأكمله.
طلبُ بعضِ الدول من رعاياها مغادرةَ إسرائيل وإيران لا يعني إعلانَ الحرب، بل يعكسُ تقديراً بأنَّ هامشَ الخطأ تضيقُ مساحته. عندما ترتفعُ احتمالاتُ سوءِ الحساب، تُفضِّلُ الدولُ الكبرى تقليلَ المخاطر البشرية، حتى لو كان التصعيدُ جزءاً من ضغطٍ تفاوضي لا أكثر.
المفاوضاتُ النووية لم تمت، لكنها تعاني من أزمةِ ثقةٍ عميقة. كلُّ جولةِ تصعيدٍ تُستخدم كورقةٍ لتحسين الشروط على الطاولة. هنا يتقاطعُ الإصرارُ الأميركي كما عبّر عنه سابقاً الرئيس ترامب على منعِ تخصيبِ اليورانيوم داخل إيران مع الرؤيةِ الإسرائيلية التي ترى في أيِّ قدرةٍ تخصيبيةٍ متقدمة اقتراباً من “العتبة النووية”. المسألةُ ليست تقنيةً بحتة؛ إنّها مسألةُ ميزانِ قُوَّة، ومن يملكُ زمامَ الرَّدعِ في الإقليم.
في المقابل، تُدركُ طهران أن امتلاكَ قدرةٍ نوويةٍ كامنة حتى من دون إعلانِ سلاح يمنحها موقعاً تفاوضياً أعلى. لكنها تدركُ أيضاً أن تجاوزَ الخطِّ الفاصل قد يستجلبُ ضربةً عسكريةً واسعة. لذلك تتحركُ ضمن هامشٍ محسوب… تصعيدٌ مدروس، ورسائلُ قوة، من دون كسرٍ نهائيٍّ للسقف الدولي.
ولا يمكن فهمُ هذا المشهد من دون التوقّف عند موقعِ روسيا والصين في معادلةِ التوتّر. فالعلاقةُ التي تربطُ طهران بموسكو وبكين تتجاوزُ البعدَ الظرفي، وتمتدُّ إلى اتفاقياتٍ طويلةِ الأمد في مجالاتِ الطاقةِ والأمنِ والتكنولوجيا. غير أنّ أيَّ دعمٍ محتمل في حالِ مواجهةٍ مع الولايات المتحدة سيبقى ذا طابعٍ إستراتيجيٍّ ولكن محدود. القوتان تنظران إلى إيران كركيزةِ توازنٍ في مواجهةِ النفوذ الأميركي، وتعتبران سقوطَها أو إخضاعَ مواردِها الطاقوية خطاً أحمر، لكنّهما في الوقت نفسه تتحاشيان الانخراطَ العسكريَّ المباشر.
الأرجحُ أن يتجلّى الإسنادُ في غطاءٍ دبلوماسي داخل مجلس الأمن، وتعاونٍ استخباريٍّ وتقنيٍّ، وتسريعِ صفقاتِ تسليحٍ نوعيّة، إلى جانبِ توفيرِ شرايينَ اقتصاديةٍ تُبقي الاقتصادَ الإيراني صامداً تحت العقوبات. إنّه نموذجُ “الرَّدعِ غيرِ المتماثل”، لا تحالفٌ عسكريٌّ تقليديٌّ بمظلّةٍ نووية. بمعنى آخر، قد تتحوّلُ إيران في الحساباتِ الشرقية إلى ورقةِ استنزافٍ تُرهِقُ واشنطن، لا إلى ساحةِ دفاعٍ تُقاتِلُ فيها جيوشٌ كبرى على الخطوطِ الأمامية.
أما عن القدرة على ضربِ الولايات المتحدة كما تمّ تداوله، فالصورةُ أعقدُ من شعاراتٍ إعلامية. إيران لا تملكُ قدرةً تقليديةً مباشرةً لضربِ الداخل الأميركي على نحوٍ شامل، لكنها تملكُ أدواتِ ضغطٍ إقليميةً مؤثرة: صواريخُ بعيدةُ المدى، حضورٌ عسكريٌّ غير مباشر، وإمكانُ تهديدِ الملاحةِ في الخليج. أيُّ مواجهةٍ مفتوحة لن تكون ضربةً خاطفة، بل حربَ استنزافٍ متعددةَ الساحات.
إذن، ماذا يحدث فعلياً؟
نحن أمام مرحلةِ إعادةِ رسمِ قواعدِ الاشتباك. كلُّ طرفٍ يختبرُ حدودَ الآخر… إلى أين يمكن الدفعُ قبل أن ينفجرَ الموقف؟ الحربُ الشاملة احتمالٌ قائم، لكنها ليست الخيارَ المفضَّل. كلفتُها الاقتصاديةُ والعسكريةُ والسياسيةُ هائلة، وقد تُشعلُ ساحاتٍ مترابطة من الخليج إلى المتوسط.
السيناريوهاتُ المقبلة واضحة:
أولاً: تسويةٌ مشروطة، عودةٌ تدريجية إلى تفاهمٍ نوويٍّ مُعدَّل، يقيّدُ التخصيبَ مقابلَ تخفيفِ العقوبات.
ثانياً: تصعيدٌ محدود، ضرباتٌ متبادلةٌ محسوبة تبقي التوترَ مرتفعاً من دون توسّعٍ شامل.
ثالثاً: انفجارٌ واسع، خطأٌ في الحساب أو قرارٌ سياسيٌّ كبير يُشعلُ مواجهةً مباشرة.
المنطقةُ اليوم لا يحكمها الحماسُ، بل الخوفُ من الخطأ. وفي الشرق الأوسط، الخطأُ الصغير قد يُشعلُ حريقاً كبيراً.