إيراداتٌ تَرتفع… ومَعيشةٌ تَنهار

السبت 21 فبراير, 2026

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

بَرَّرَ رئيسُ الحُكومة فَرضَ الضَّريبة على البنزين ورفعَ الـTVA على أنّها «إجراءاتٌ استثنائيّة» تَفرضها المرحلةُ الماليّةُ الصَّعبة، مُؤكِّداً أنّ الدَّولة تَبحث عن مواردَ تُمكِّنها من الاستمرار في أداء واجباتها الأساسيّة.

غير أنّ السُّؤال الجوهريّ الذي يَفرض نفسه اليوم هو: هل يُدرك دولةُ الرَّئيس أنّ هذه الإجراءات لا تُصيب الوقود والضَّرائب المباشرة فقط، بل تَنعكس فوراً على أسعار كلّ السِّلع، وخصوصاً الغذائيّة، في الأسواق اللّبنانيّة؟

فأيّ زيادةٍ على البنزين أو الضَّريبة على الاستهلاك، تَتحوَّل تلقائيّاً إلى عبءٍ إضافيّ على المواطن، وتُتَرجَم تَضخُّماً جديداً في بلدٍ لم يَعُد يحتمل مزيداً من الأعباء.

وقد أكَّدَ رئيسُ الحكومة أنّ الدَّولة ليست غائبةً عن مُكافحة التَّهَرُّب الضَّريبيّ والجُمركيّ، مُشيراً إلى ارتفاع إيرادات الجمارك والرُّسوم بنسبة 54%، وتوقُّع زيادة الجباية في عام 2026 بفعل الضَّوابط الموضوعة، وإحالة أكثر من مئة شركة إلى النيابة العامّة بتهمة التَّهَرُّب الضَّريبيّ، وفَرض الحَجْز الجُمركيّ على المُتَهَرِّبين ومنعهم من الاستيراد، واستكمال مَسح الأملاك البحريّة بسبب تجدُّد التَّعدِّيات، ومطالبة المُعتدين بالدَّفع، وإصدار أوامر التَّحصيل، إضافةً إلى تحصيل ما يُقارِب مليار دولار من أصحاب الكسّارات.

هذه الإجراءات، من حيث المبدأ، تُشكِّل خطوةً في الاتّجاه الصَّحيح، وتُظهر نيّةً لمعالجة مكامن الهَدْر والفَساد. لكنّ المشكلة لا تَكمن في إعلان الأرقام، بل في تحويلها إلى سياسةٍ اقتصاديّةٍ مُستدامةٍ وعادلة.

فالرهان على زيادة الجباية وحدها لا يَكفي لإنقاذ الدَّولة. الدَّولة لا تُبنى فقط عبر تحصيل الأموال، بل عبر إدارةٍ رشيدة، وتوزيعٍ عادلٍ للأعباء، ورؤيةٍ اقتصاديّةٍ واضحة.

حين تُفرَض الضَّرائب على الاستهلاك، يَدفعها الفقير والغنيّ معاً. وحين تُرفَع أسعار الوقود، يُعاقَب العامل والموظَّف وصاحب الدَّخل المحدود قبل أيّ طرفٍ آخر. وهنا يَكمن الخلل الأساسيّ، إذ لا تزال السِّياسات الضَّريبيّة تميل إلى تحميل المواطن العبء الأكبر، بدل استهداف الثَّروة الحقيقيّة والقُدرة الماليّة الفعليّة.

وقد أصاب رئيسُ الحكومة حين قال إنّه «لا دولة بلا إدارة، ولا جيش، ولا أساتذة»، فالدَّولة لا تقوم من دون مُؤسَّساتٍ قويّة، وموظَّفين مَحميّين، وتعليمٍ رسميٍّ فاعل، وجيشٍ ضامنٍ للاستقرار. لكنّ هذه المُؤسَّسات لا يمكن تمويلها على حساب كرامة المواطن، ولا يمكن بناء دولة عبر إنهاك شعبها.

إنّ الإصلاح المطلوب اليوم ليس في رفع الضَّرائب، بل في إعادة هيكلة النِّظام الضَّريبيّ، ليقوم على فرض ضرائب تَصاعُديّة على المُقتدرين، ومحاسبة أصحاب الثَّروات غير المشروعة، واستعادة الأموال المنهوبة، وضبط الاقتصاد المُوازي، وإنهاء الحمايات السِّياسيّة عن المُتَهَرِّبين.

نجاح الحكومة لا يُقاس بعدد البيانات ولا بحجم التَّصريحات، بل بمدى تَحسُّن معيشة الناس، وعدالة توزيع الأعباء، واستعادة الثِّقة بالدَّولة. وحتى الآن، ما زال الطريق طويلاً، والنَّجاح غير مضمون، لأنّ النِّيّات وحدها لا تَكفي، والإجراءات الجُزئيّة لا تَصنع إصلاحاً شاملاً.

ومن هنا، يصبح من الضَّروريّ الانتقال من منطق الجباية السَّريعة إلى منطق التَّمويل عبر النُّموّ الاقتصاديّ. فالدَّولة التي تُمَوِّل نفسها عبر تحريك الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وخلق فرص العمل، تُوسِّع قاعدتها الضَّريبيّة من دون سَحق مواطنيها.

التَّمويل بالنُّموّ يعني دعم الصِّناعة والزِّراعة والسِّياحة والتِّكنولوجيا، وتقديم حوافز مُؤقَّتة للمُؤسَّسات المُنتِجة، وتسهيل الشَّراكات الشَّفّافة، وضبط الهَدْر بدل تعويضه من جيوب الناس. ويعني قبل كلّ شيء إعادة بناء الثِّقة الدَّاخليّة والخارجيّة، لأنّه لا نُموّ من دون ثِقة.

لبنان لا يُنقَذ بزيادة الضَّرائب، بل بزيادة الإنتاج.
ولا يُبنى بالضَّغط على الضُّعفاء، بل بتمكين القادرين على خلق الثَّروة.

لبنان يحتاج إلى سياسةٍ اقتصاديّةٍ تُنقذ الإنسان قبل الأرقام، وتضع العدالة قبل الجباية، والكرامة قبل الحسابات الماليّة. فلا قيمة لدولةٍ تُحصِّل المليارات، إذا خسر مواطنها الأمل.