«فنزويلا، هل تدفع ثمن الخروج عن الطاعة الدوليّة؟»
الثلاثاء 13 يناير, 2026بقلم د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
مرشّح سابق لرئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة
ليس غريبًا أن تُختَطَف الدُّوَل في هذا العالم،
الغريب والمُخيف أن يُختَطَف رئيسٌ مُنتَخَب، ويُطالَب شعبُه بالصَّمت،
وأن يُسوَّق هذا الصَّمت على أنّه «استقرار».
ما جرى في فنزويلا ليس حادثةً سياسيّةً عابرة، بل نموذجٌ فاضح لكيف تُدار السِّياسة الدُّوليّة عندما تتعارض إرادةُ الشُّعوب مع مصالح القُوى الكُبرى.
رئيسٌ اختاره جزءٌ كبير من الشَّعب، وامتلك—نظريًّا—غطاءً عسكريًّا وأمنيًّا، جرى إخراجه من المعادلة بأساليب لا تُسمّى انقلابًا كي لا تُدان، ولا تُسمّى ديمقراطيّة كي لا تُحاسَب.
السُّؤال الحقيقي الذي يُلاحق الفنزويليّين اليوم ليس: لماذا خُطِف الرَّئيس؟
بل: لماذا يُراد لهذا الخطف أن يمرّ كأمرٍ واقع؟
الصَّمت الشَّعبي لا يعني الرِّضا، بل حجم الألم.
الشُّعوب المُحاصَرة لا تثور كما في الكتب، بل تمرّ أوّلًا بمرحلة الإنهاك، حيث يصبح الخبزُ أثقلَ من الشِّعارات، والبقاءُ أثمنَ من البطولة.
العقوبات، الحصار، خنق الاقتصاد، تفكيك العملة، وضرب الثِّقة بالمستقبل… ليست ظروفًا طبيعيّة للتمرّد، بل أدوات كسرٍ بطيءٍ للإرادة.
أمّا الجَيش، فالحقيقة ليست كما تُقدَّم على الشَّاشات.
الجيوش في زمن الهيمنة الماليّة ليست جيوش قرارٍ سياديٍّ كامل.
حين تُحاصَر الدَّولة، يُحاصَر جيشُها معها، وحين تُدار المعركة بالدولار والعقوبات والعزل لا بالدبّابات، يصبح خيار المواجهة المباشرة مكلفًا إلى حدّ الانتحار الوطني.
ومن هنا، فإن تحذير الولايات المتّحدة لمواطنيها من السَّفر إلى فنزويلا لا يُقرأ كبندٍ أمنيٍّ روتيني، بل كإشارةٍ سياسيّةٍ واضحة:
إمّا خشية من انفجارٍ مؤجَّل،
أو معرفة بمرحلة فوضى مُدارة،
أو اعتراف غير مباشر بأن ما جرى لم يُغلِق الملفّ بعد.
القول إن «الصَّفحة طُويت» وهمٌ مقصود،
والقول إن الشَّعب انتهى إهانة للتاريخ.
أمّا تُهمة تهريب المخدّرات، فهي ليست اكتشافًا أخلاقيًّا مفاجئًا في السياسة الدوليّة، بل أداة قديمة مُعاد تدويرها.
العالم يعرف—والوثائق تعرف—أن عشرات الرؤساء والملوك والأمراء والزعماء مرّوا على شبكات المخدّرات: حمايةً، أو شراكةً، أو تغاضيًا.
لكنّهم لم يُلاحَقوا، ولم تُفتَح بحقّهم ملفات، ولم تُرفَع صورهم على لوائح الاتهام.
السُّؤال إذًا ليس: هل مادورو بريء؟
بل: لماذا مادورو تحديدًا؟
الجواب سياسيٌّ بامتيا، لأنّه خرج عن الطاعة، لأنّه لم يُوقّع على بياض، لأنّه تمسّك بخيارٍ سياديٍّ في زمنٍ يُطلَب فيه من الدُّول أن تكون شركات، ومن الرؤساء أن يكونوا موظّفين.
وعن ولاء الشَّعب، فهنا تكمن المفارقة الكبرى.
نعم، هناك من ضُرِب.
ونعم، هناك من هَرَب.
ونعم، هناك من صَمَت.
لكنّ الصَّمت لا يعني نهاية الولاء، بل تقدُّم الخوف على الصَّوت.
الشُّعوب حين تُستنزَف لا تُعلن العصيان فورًا،
وحين تُجوَّع لا تهتف بسهولة،
وحين تُحاصَر لا تختار البطولة المجّانيّة.
لكنّها أيضًا لا تنسى من خذلها، ولا من فرض عليها الإذلال باسم «الشرعيّة الدوليّة».
الرهان على تعب الشَّعب رهانٌ قصير النظر،
والرهان على أن الصَّمت نهاية خطأٌ تاريخي.
في لحظات التَّحوُّل الكبرى، لا تهتف الشُّعوب فورًا، بل تراقب، تُخزّن الغضب، وتنتظر لحظة اختلال التوازن.
وعندما تأتي تلك اللحظة، لا تأتي بإذنٍ دولي، ولا ببيانٍ أممي، بل بانفجارٍ لا يمكن ضبطه ولا توقيته.
الديمقراطيّة التي تُقبَل حين تُنتج الحاكم المطلوب، وتُلغى حين تُنتج غيره، ليست ديمقراطيّة، بل أداة سيطرة مُزيَّفة.
والصَّمت الذي يُفرض على الشُّعوب ليس نهاية الصِّراع، بل مرحلته الأخطر.
فنزويلا اليوم ليست دولةً صامتة، بل دولةً مكمومة.
والشُّعوب المكمومة لا تنسى، ولا تُسامح، ولا تموت.
التاريخ لا يُكتَب بالبيانات،
بل بلحظة الانفجار التي يظنّها المتغطرسون مستحيلة… حتّى تقع.