الباحثة سهيلا الشلبي تعاين المشروع الصهيوني في البلاد العربية والوعي العربي لخطورته

الاثنين 12 يناير, 2026

تقدّم الباحثة الأردنية د.سهيلا سليمان الشلبي، في كتابها "المشروع الصهيوني في البلاد العربية والوعي العربي لخطورته 1897–1917م"، قراءة تاريخية معمّقة ترسم ملامح الصورة الكلية للمشروع الصهيوني في مراحله التأسيسية الأولى، وتكشف أبعاده وخطورته على البلاد العربية، من خلال تتبّع جذوره الفكرية والسياسية، وأهدافه، وأدواته، ومسارات تمدده المبكرة.
وفي هذا العمل البحثي، الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن (2026)، تجتهد الشلبي في تفكيك بنية النشاط الصهيوني في البلاد العربية، مع تركيز خاص على عنصر شديد الحساسية في هذا المشروع، يتمثل في يهود البلاد العربية؛ إذ تعرّف بأصولهم التاريخية، وخصوصيتهم الاجتماعية والثقافية، وكيف تمكّنت الصهيونية، عبر آليات متعددة، من استقطاب أعداد متزايدة منهم، وإقناعهم بالانخراط في مشروعها وترك أوطانهم الأصلية.
كما يكشف الكتاب عن حقيقة العلاقة المركّبة بين الصهيونية واللاسامية، مبيّناً كيف جرى توظيف هذه الأخيرة سياسياً وإعلامياً لخدمة المشروع الصهيوني، وتحويلها إلى أداة ضغط ومشروعية. وفي المقابل، ترصد الباحثة أشكال الوعي العربي، على اختلاف مستوياته وتياراته، في إدراك أبعاد هذا المشروع وخطورته، وفي مواجهة الوسائل التي اعتمدتها الصهيونية لتحقيق أهدافها.
وتنبع أهمية الكتاب، على نحو خاص، من الإطار الزمني الذي عالجته الدراسة، إذ تبدأ بعام 1897م، تاريخ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال السويسرية، بوصفه اللحظة المؤسسة لمأسسة العمل الصهيوني، وإعلان قيام المنظمة الصهيونية، والانتقال بالمشروع من حيّز الفكرة إلى حيّز الفعل. وتنتهي الدراسة بعام 1917م، المرتبط بإصدار وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني، وما مثّله من إضفاء شرعية دولية على المشروع الصهيوني، ودخوله مرحلة جديدة من التطور والتنفيذ.
تتوزع الدراسة على ثلاثة فصول، إضافة إلى المقدمة والخاتمة. جاء الفصل الأول بعنوان: «الأطماع الصهيونية التوسعية، والوعي العربي لخطورتها 1897–1917م»، وسعى إلى تأكيد أن النزعة التوسعية ليست طارئة على الفكر الصهيوني، بل متجذّرة في صلب برنامجه. وتبيّن الباحثة أن الصهيونية سعت، منذ بداياتها، إلى الهيمنة على البلاد العربية، سواء بهدف التوسع الجغرافي وزيادة مساحة الدولة المرتقبة في فلسطين على حساب دول الجوار، مثل سوريا والعراق ولبنان ومصر وشرقي الأردن، في سياق التمهيد لفكرة «إسرائيل الكبرى» أو «التوراتية»، أم بهدف اتخاذ بعض المناطق العربية بديلاً مؤقتاً أو دائماً عن فلسطين، كما في مشاريعها في ليبيا، ولا سيما برقة والجبل الأخضر. ويكشف هذا الفصل طبيعة تلك المشاريع، والوسائل التي اعتمدتها الصهيونية لتحقيقها.
أما الفصل الثاني، الموسوم بـ«النشاط الصهيوني في البلاد العربية، والوعي العربي لخطورته 1897–1917م»، فيتناول مسألتين مركزيتين: الأولى تتعلق بالجهود الصهيونية لاستقطاب يهود العالم العربي مادياً ومعنوياً، وتحويل مواقفهم من الرفض والتحفظ إلى التأييد والدعم الفاعل. والثانية ترصد النشاط الصهيوني الموجّه نحو استمالة السكان العرب أنفسهم، ولا سيما النخب المثقفة، عبر محاولات إقناعهم بأن المشروع الصهيوني لا يشكّل خطراً على كيانهم القومي أو وجودهم التاريخي، مع تسليط الضوء على الوعي العربي الذي تنبّه مبكراً إلى خطورة هذه المحاولات وأبعادها الحقيقية.
ويأتي الفصل الثالث تحت عنوان: «اللاسامية والصهيونية، والوعي العربي للعلاقة بينهما 1897–1917م»، ليكشف كيف أحسنت الصهيونية، منذ سنواتها الأولى، توظيف خطاب العداء للاسامية في الترويج لمشروعها، والتصدي لأي معارضة عربية، والعمل على احتوائها أو وأدها في مهدها. وفي المقابل، يبيّن الفصل أن العرب أدركوا مبكراً هذه العلاقة الملتبسة، فحرصوا على تأكيد أن موقفهم الرافض للصهيونية موقف سياسي وفكري، لا علاقة له باليهودية كدين أو باليهود كشعب.
وتخلص الباحثة، في خاتمة الكتاب، إلى جملة من النتائج، من أبرزها أن خطر المشروع الصهيوني تجاوز حدود فلسطين الجغرافية، واتسع ليهدد المشرق العربي والمغرب على حد سواء، عبر أطماعه التوسعية المتعددة. كما تؤكد أن العرب أدركوا منذ البداية أن فلسطين ليست سوى نقطة انطلاق لمشروع أوسع يمتد إلى مصر وسوريا ولبنان والعراق وشبه الجزيرة العربية وليبيا.
وتشير النتائج إلى تفاوت النشاط الصهيوني في البلاد العربية؛ إذ كان محدوداً ومتقطعاً في بلاد الشام والعراق، بينما اتسم بالاتساع والفاعلية في مصر واليمن وشمال أفريقيا. وتستشهد الباحثة بما قاله هرتزل لأحد يهود مصر:
«ونظراً لأنك من بلد متاخم لفلسطين فإنك ويهود مصر وسوريا، ويهود الشرق بصفة عامة تستطيعون أن تسهلوا مهمتنا بأن تعملوا كوسطاء بيننا وبين أهل البلاد… إنكم بذلك تخدمون القضية القومية».
كما تتوقف الدراسة عند اتساع عدد الجمعيات والاتحادات الصهيونية في دول المغرب العربي، وتنسيقها مع المنظمة الصهيونية الأم، إضافة إلى اصطدام هذا النشاط، في بعض مراحله، بسياسات الاستعمار الفرنسي، الذي كان يسعى إلى دمج اليهود في المجتمع والثقافة الفرنسيتين، سواء في فرنسا أو في مستعمراتها.
بهذا الكتاب، تضيف الدكتورة سهيلا الشلبي لبنة بحثية رصينة إلى المكتبة العربية، وتفتح نافذة نقدية على مرحلة مفصلية من تاريخ الصراع، بما تحمله من أسئلة الوعي، والتاريخ، والمصير.