لم يكن ما جرى مع الرّئيس نيكولاس مادورو حدثًا عابرًا في سجلّ الصّراعات الدّوليّة، ولا تفصيلًا أمنيًّا يمكن احتواؤه بتبريراتٍ دبلوماسيّة. ما حصل كان كسرًا متعمّدًا لأخطر محرَّمٍ في النّظام الدّوليّ: حصانة رأس الدّولة. ومنذ تلك اللّحظة، دبّ الرّعب في القصور، لا في الشّوارع.
لم يرتعب فقط من يقف خارج الحلف الأميركيّ–الصّهيونيّ–الإسرائيليّ، بل ارتعب من يقف داخله أيضًا. لأنّ الرّسالة لم تكن موجّهةً إلى المعارضين وحدهم، بل إلى الجميع دون استثناء…
لا أحد محصَّن بعد اليوم.
لقد فهم الملوك وأولياء العهود والرّؤساء والأمراء، سواء كانوا خصومًا أو حلفاء، أنّ العالَم دخل مرحلةً جديدةً لا تُقاس فيها الدّول بدرجة سيادتها، بل بدرجة نفعها اللّحظيّ. فالتحالف لم يعد ضمانةً، والولاء لم يعد صكّ أمان، والقرب من المركز لم يعد درعًا واقيًا.
السّؤال الحقيقيّ الّذي دوّى في الغرف المغلقة لم يكن…
لماذا مادورو؟
بل: متى يأتي الدّور علينا؟
هنا تحديدًا يبدأ الرّعب الحقيقيّ.
لأنّ منطق الهيمنة لا يعرف الصّداقة، بل يعرف الاستعمال. ومن يُستعمل اليوم قد يُرمى غدًا. ومن يُحمى اليوم قد يُضحّى به لاحقًا إذا تغيّرت الموازين أو اقتضت الرّسالة نموذجًا جديدًا للعقاب.
ولو افترضنا – افتراضًا نظريًّا – أنّ روسيا أو الصين، أو حتّى دولةً صغيرةً هامشيّةً، أقدمت على خطوةٍ مماثلةٍ بحقّ رئيس دولةٍ حليفةٍ لواشنطن، لكانت الدّنيا قد انقلبت…
حالة طوارئ دوليّة، مجلس أمن مُستنفَر، إعلام غربيّ يصرخ بـ«الإرهاب الدّوليّ»، وربّما حرب باسم حماية الشّرعيّة.
لكن حين يكون الفاعل هو القطب المهيمن، فإنّ الجريمة تُعاد صياغتها…
ليست خطفًا، بل «إجراءً أمنيًّا».
ليست انتهاكًا للسّيادة، بل «حمايةً للاستقرار».
ليست جريمةً، بل «دفاعًا عن القيم».
وهنا مكمن الخطر الأكبر… لسنا أمام ازدواجيّة معايير فقط، بل أمام احتكارٍ مطلق لتعريف الجريمة، والشّرعيّة، والعدوّ. من يعارض يُجرَّم، ومن يصمت يُراقَب، ومن يتحالف يُختبَر.
لقد أدرك الحلفاء، قبل الخصوم، أنّهم ليسوا شركاء بل أدوات. وأنّ السّقف الّذي يحميهم اليوم يمكن أن ينهار غدًا، وباليد ذاتها الّتي رفعته. ولهذا دبّ الرّعب في العواصم «الآمنة» أكثر ممّا دبّ في عواصم التمرّد.
نحن أمام نظامٍ دوليّ جديد يقوم على قاعدةٍ واحدةٍ لا تقبل الجدل…
السّيادة مشروطة، والتحالف مؤقّت، والحصانة قابلة للإلغاء.
وفي هذا النّظام، لا يُسأل الزّعيم عن شرعيّته الشّعبيّة، بل عن مدى طاعته. ولا يُقاس بقوّته، بل بقابليّته للاستبدال.
لهذا، نعم…
ارتعب غير المتحالفين.
لكن الأخطر أنّ المتحالفين ارتعبوا أكثر.
لأنّهم فهموا أخيرًا أنّ السّؤال لم يعد: هل أنت معنا أم ضدّنا؟
من الزّعيم الّذي ينتظر دوره؟