والذكرى للسودانِ عمرٌ ثانٍ
الأحد 4 يناير, 2026بقلم: سامي طيب الأسماء
مازلتَ قوياً يا وطني
وفتياً مثل شراستنا
وصفاءِ ليالي بهجتنا
مازلتَ عزائى ياوطنى
حاكت أبيات النور أبكر مشاعر المئات الذين شهدوا ختام فعاليات إحياء الذكرى الخامسة لرحيل الإمام الصاددق المهدي، وأبت اللجنة العليا برئاسة المهندس هاشم مطر إلّاَ أن تزيدني شرفاً وتيهاً وتكلفني بالمشاركة في تقديم الحفل الختامي مع ابنتي النجمة تسنيم الملك فكدت (بأُخمصي أطأ الثريا).
قبل ذلك بأيامٍ وبالتحديد يوم الخامس والعشرين من ديسمبر المنصرم، شرفتني اللجنة العليا لإحياء الذكرى بتقديم الجلسة الافتتاحية لندوة " الحل على خطى الإمام… نحو مشروعٍ وطنيٍ يُوحِّد الأمة السودانية"، تشرفت بإدارة الجلسة الافتتاحية للندوة؛ في إحدى قاعات مؤسسة (التسامح للتنمية) بالدقي، التي يقف على رأس إدارتها الرائع الصادق سمل؛ حيث شهدت القاعة تقديم أوراق ناقشت فكر الإمام بمشاركة نخبةٍ من الأكاديميين والمفكرين والباحثين السودانيين، في إطار رؤيةٍ تستهدف التعمُّق في فكر الإمام الصادق المهدي وإسهاماته السياسية والفكرية والثقافية، وربطها بواقع السودان الراهن وتحدياته الوطنية.
وفي الليلة الختامية، وعلى مسرح نقابة الصحفيين المصريين، طاب لي وعلم السودان يملأ المكان بألوانه، والمشاعر الجياشة تفيض حتى (جالت شؤون الرأس بالدمع)، أنْ أقرأ أبيات محمد أحمد المحجوب مخاطباً الإمام عبدالرحمن المهدي وهو يذرف الدمع فرحةً بمشهد الأزهري وهو يرفع علم الاستقلال غرة يناير 1956:
حققتَ مُنيةَ أجيالٍ بها حَلُمُت فنال شعبُك ماراموا وما طلبوا
وأقبل الصبحُ والأعلام خافقةً والناس قد هزَّ من أعطافِهم طربُ
لمَّا رأوا علم السودان مؤتلقاً منارةُ الحق في الظلماء ترتقبُ
وأنت تجهش بالدمع تَذرِفُه وما عهدتُك قبل اليوم تنتحبُ
كان الحضور مهيباً لم يلحظ أحد تبايناً أو شقاقاً أو فرقة، تجمعنا رغم اختلافاتنا على محبة الإمام، شهدتُ على خشبة المسرح ابتسامة المهندس صديق يوسف تشرق بالرضا، وبشارات السلام تبدو على محيا عبدالله المحجوب ، والطرب يستبد بالجميع لكلمات عمر الدقير في حق الإمام وكأنها صيغت على لحون الخلود، تذكرت كلماته بقاعة الصداقة قبل سنوات مضت، وآمال الثوار -حينها- تأتلق أنهاراً وجناناً:
" أقف اليوم برأسٍ حاسر
وبقية شيءٍ من نفسي
ونقاء وجيبي
مولايَ الشعب الأسمر خذني
فأنا المعشوق العاشق
نعم لقد اختبرت المشاعر ذاكرتنا، كما اختبر الموقف عشقنا لوطنٍ يتهاوى بأيدي أبنائه، لم يتبقَ لنا إلَّا أن نتمسك بأهداب المعايير الأخلاقية والوطنية التي نتفق عليها؛ لذا كانت مبادئ الإمام وتجربته السياسية والفكرية واحدة من تلكم المعايير التي اجتمع عليها السودانيون في هذه الليلة، نعم اجتمعنا في مسرح نقابة الصحفيين المصريين، وتدفقت الحشود لم يوقفها شتاء القاهرة القاسي، كانت تهتف للسودان ولسان حالها يقول:"هيهات أحفل بالشتاء وبين عينيك يا وطني الربيع ".
وكان الربيع يتدفق شلالاً من الدفء متناغماً مع (حرم وصوصل وشمَّت)، ثلاثي أشعل مواقد الإبداع، لا غرو فصالون الإبداع يعرف كيف تحتشد مشاعر السودانيين بالجمال، غنَّى الأمين خلف الله :" كرري تحدث عن رجالٍ كالأسود الضارية"، ثم جاء الشعر موشَّى بالحسن والسحر والنور والنار، اشتعلت الحماسة مع كلمات زروق العوض، وأبكى شعر طارق الأمين الأعين، وكان الحضور المصري ضافياً وكريماً " كانوا ضيوفاً وكنَّا أرباب الزمان والمكان".
لم تَضِقْ إدارة مسرح نقابة الصحفيين ذرعاً ونحن نتجاوز الزمن المقدَّر بساعةٍ كاملة، كيف نوقف طوفان(عهد الجلاد)، كيف نفعل و(عقد المشاعر) يطوق أعناق الجميع، "يابا مع السلامة، بختي بختي بتي بتي و... ومرت الدقائق والساعات- بلا عقارب – كأنها إحدى ليالي اعتصام القيادة، بل هي واحدة من ليالي صمود شعبنا، كان محجوب شريف "شاعر الثورة والشعب – حضوراً؛ ليس بأشعار وحسب بل بروح الثورة وأنفاس وجدانها :
والبزدريك ياويله
من غضبك عليهو من مشيك
ياويله من أجله الوشيك
يوم ينكسر قيد الحديد
والسونكي والزنزانة والسجن السميك.
نعم أحبتي: انتهى الحفل، كانت المشاعر زادنا ونحن نخرج لنواجه شتاء القاهرة، ونار السودان، أدركت وأنا أبحث عن وسيلة مواصلات تقلّني حيث أسكن في إحدى حارات القاهرة، أدركت أنَّ هذا الملتقى لم يكن عاطفياً صرفاً، بل حمل دلالة سياسية عميقة: إنَّ الرموز الجامعة لا تُلغى بالخلاف، بل تتجدد بقدرتها على احتواء التناقض. أيقنت وأنا ألقي بجسدٍ متهالك على مقعد الحافلة أنَّ التقاء الاتحادي واليساري والأنصاري والمستقل في مساحةٍ واحدةٍ دون نزاع، يؤكِّدُ أنَّ الإمام الراحل شكّل- رغم اختلاف المواقف منه- نقطةَ تقاطعٍ وطنيةٍ نادرةٍ. بل قُل: مثّل مدرسةً سياسيةً جامعةً ، وأنَّ "الأمَّةَ" في نظره ليست حزباً سياسياً بل مجمع المحبة لأهل السودان، وأنَّ الثقافة ليست "بهرجاً وحليةً" للسياسة، بل دولة للحق والخير والجمال والوحدة، أدركت متأملاً شوارع القاهرة المضاءة بالنيون والكهارب أنَّ جمال مشاعر السودانيين نورٌ باهرٌ كفيلٌ بأن يقضي على ظلام أخطاء السياسة وخطايا المتآمرين، أدركت أنَّ السودان يستحق منَّا الأكثر، أدركت استعدادنا للمُضي قُدُماً – بإذن الله – نحو غايات الحرية والسلام والعدالة.