ماذا يعني لقاءُ ترامب ونتنياهو للبنان… وللمنطقة؟

الاثنين 29 ديسمبر, 2025

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

لبنانُ ليس بندًا مُستقِلًّا على الطاولة الأميركيّة–الإسرائيليّة،
بل وَرَقَة ضمنَ ملفّاتٍ أكبر: غزّة، إيران، حزبُ الله، وأمْنُ إسرائيل.
ومن هنا تبدأُ الخُطورة.
أوّلًا: لبنانُ كورقةِ ضغطٍ لا كقضيّة
في أيّ تفاهمٍ أميركيّ–إسرائيليّ، يُنظَر إلى لبنان من زاويةٍ واحدة: الحُدود الجنوبيّة، دورُ حزبِ الله، ومنعُ تحوّله إلى جبهةٍ مفتوحة أو ورقةٍ إيرانيّة إضافيّة.
النقاشُ لا يدور حول: كيف نَحمي لبنان؟
بل حول: كيف نَضبط لبنان؟
وهذا فارقٌ قاتل.
ثانيًا: سيناريوهان محتملان بعد اللقاء
1) سيناريو «التهدئةِ المشروطة»
وهو الأخطر، لأنّه يبدو إيجابيًّا في الشَّكل.
ضغطٌ أميركيّ على إسرائيل لتفادي حربٍ شاملة شمالًا،
مقابل ضغطٍ غير مباشر على لبنان: ضبطُ الحُدود، حَصرُ القرارِ الأمنيّ، وربطُ أيّ دعمٍ ماليّ أو سياسيّ بشروطٍ سياديّةٍ قاسية.
هنا يتحوّل لبنان إلى ساحةِ اختبار لقدرة دولةٍ عاجزةٍ أصلًا عن فرض قراراتها داخليًّا، ثمّ يُطالَب بالنَّجاح… ويُحاسَب على الفشل.
2) سيناريو «الضغطِ التَّصاعديّ»
إذا فشل التفاهم، قد يُستَخدَم لبنان كساحةِ ضغطٍ على إيران، عبر توسيع الاشتباكات المحدودة، أو رفع منسوب التهديد الأمنيّ والاقتصاديّ، أو إبقاء الجبهة مفتوحة بلا حربٍ شاملة ولا سلام.
وفي هذا السيناريو، لبنانُ يَدفعُ الثَّمن… من دون أن يكون صاحبَ القرار.
ثالثًا: ما الذي يُقْلِقُ فعليًّا؟
القلقُ الحقيقيّ ليس في الحرب وحدها، بل في ما بعدها.
أيّ تسويةٍ إقليميّة قد تُفرَض، تُعيد رسمَ قواعد الاشتباك،
وتُحمِّل الدَّولة اللبنانيّة التزاماتٍ لا تملك أدوات تنفيذها،
ثمّ تُحاسَب على عدم الالتزام.
النموذجُ معروف، مطالبُ دوليّة + دولةٌ ضعيفة + منظومةٌ عاجزة = تحميلُ الشَّعب الكلفة كاملة.
رابعًا: أين المشكلةُ اللبنانيّة؟
المشكلةُ ليست في واشنطن ولا في تلّ أبيب فقط،
بل في غيابِ موقفٍ لبنانيٍّ مُوحَّد،دولةٌ بلا قرارٍ سياديٍّ جامع، سُلطةٌ تفاوض وهي مُفكَّكة، وانقسامٌ داخليّ يُدارُ بالخارج.
في هذا الفراغ، يصبح لبنان ساحةً لا دولة، وملفًّا لا شريكًا.
خامسًا: ماذا عن سوريا؟
بالنسبة لسوريا، أيّ تفاهمٍ أميركيّ–إسرائيليّ يحمل ثلاثة احتمالات، تثبيتُ واقعٍ أمنيٍّ جديد في الجنوب السوريّ،
استمرارُ الضربات الإسرائيليّة تحت عنوان «منع التمركز الإيرانيّ»،وإبقاءُ سوريا خارج أيّ تسويةٍ فعليّة، كورقةِ ضغطٍ لا كدولةٍ مُستعادةِ الدَّور.
أي أنّ سوريا ستبقى دولةً مُراقَبة، لا شريكًا كاملَ السِّيادة، ولا ساحةَ حربٍ شاملة…بل ساحةَ استنزاف.
سادسًا: وماذا عن إيران؟
إيران هي العنوانُ غيرُ المُعلَن للقاء.
فالهدفُ ليس الحرب المباشرة، بل تقليصُ هوامشها، تحجيمُ أذرعها، وإدارةُ الصراع معها بدل حسمه.
لبنان، وسوريا، وغزّة، كلّها ساحاتٌ تُستَخدَم في هذا الصراع الطويل، وكلّما كانت الدَّولة أضعف، كان استخدامها أسهل.
سابعًا: ما بعد اللقاء… دلالةُ الصَّمت أخطرُ من الكلام
عُقِدَ لقاءُ ترامب ونتنياهو، ولم يَصدُر عنه موقفٌ مُباشر يُسمّي لبنان أو يَضعه في صدارة العناوين. وهذا الصمتُ ليس تفصيلًا عابرًا، بل رسالةٌ سياسيّة بحدّ ذاتها.
فعندما تُدار الملفاتُ الكبرى في المنطقة، يُترَك لبنان خارج البيانات العلنيّة، لا لأنّه خارج الحسابات، بل لأنّه مُدرَجٌ ضمنها من دون أن يكون طرفًا مُفاوِضًا.
ما بعد اللقاء لا يعني قرارَ حربٍ ولا إعلانَ تسوية، بل تثبيتَ نهج «إدارة الأزمة»؛ إبقاءَ الجبهة اللبنانيّة تحت السيطرة لا حلَّها، وضبطَ الاشتباك بدل إنهائه.
الخطرُ هنا لا يكمن في ما قيل، بل في ما لم يُقَل، فالصمتُ الأميركيّ–الإسرائيليّ يُبقي لبنان في منطقةٍ رماديّة، لا هو ساحةُ حربٍ شاملة، ولا دولةٌ محصَّنةٌ بتسويةٍ واضحة.
وهكذا، يُدارُ لبنان من الخارج،ويُطالَبُ في الداخل بدفع ثمن توازناتٍ لم يُشارِك في صُنعها.