بين الاتفاق والحرب..هل انتهى الرهان على سقوط إيران؟ وماذا ينتظر لبنان؟

السبت 13 يونيو, 2026

بقلم د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

منذ أشهر طويلة، والعالم يسمع عن اتفاق أمريكي–إيراني بات قاب قوسين أو أدنى. عشرات التصريحات صدرت من مسؤولين ومحللين وسياسيين تتحدث عن قرب التوصل إلى تفاهم شامل، لكن الاتفاق كان يتأجل في كل مرة، وكأن المنطقة محكومة بالبقاء في منطقة رمادية بين الحرب والسلام.
اليوم، يعود السؤال من جديد: هل اقتربت واشنطن وطهران فعلاً من الاتفاق النهائي؟ وهل نقترب من نهاية واحدة من أخطر المواجهات التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة؟
الحقيقة أن السياسة الدولية لا تعرف الانتصارات المطلقة. فالدول الكبرى لا تخوض الحروب من أجل الشعارات، بل من أجل المصالح. وعندما تكتشف الأطراف المتصارعة أن استمرار المواجهة أصبح أكثر كلفة من التسوية، تبدأ رحلة البحث عن اتفاق يحفظ الحد الأدنى من مصالح الجميع.
من هنا، يبدو أن الحديث لم يعد يدور حول إسقاط النظام الإيراني كما كان يعتقد البعض قبل أشهر، بل حول شكل العلاقة المستقبلية بين واشنطن وطهران وحدود النفوذ المسموح به لكل طرف.
وهنا تكمن الصدمة السياسية الكبرى.
فكثيرون راهنوا على أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية ستؤدي إلى انهيار النظام الإيراني في المدى القريب. لكن إذا انتهت الأزمة باتفاق سياسي، فإن ذلك سيعني أن الرهان على السقوط السريع لم يكن في مكانه، وأن الواقع الإقليمي أكثر تعقيداً من الأمنيات والتحليلات المتسرعة.
أما بالنسبة للبنان، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس، هل سيتم الاتفاق؟
بل  ماذا سيدفع لبنان من ثمن هذا الاتفاق؟
حتى هذه اللحظة، لا توجد مؤشرات حاسمة تؤكد أن إسرائيل مستعدة للانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها دون شروط أو ترتيبات أمنية جديدة. كما لا توجد ضمانات بأن أي تفاهم أمريكي–إيراني سيقود تلقائياً إلى حل جميع الملفات العالقة على الجبهة الجنوبية وما زال القصف مستمراً..
لذلك، يخشى كثيرون أن يتحول الجنوب اللبناني إلى جزء من سلة التسويات الإقليمية، بحيث يجري ربط الانسحاب الإسرائيلي بترتيبات أمنية وسياسية جديدة، أو بتفاهمات تتعلق بمستقبل الحدود ودور الدولة اللبنانية وانتشار الجيش اللبناني.
لكن في المقابل، هناك من يرى أن نجاح أي اتفاق كبير بين واشنطن وطهران قد يفتح الباب أمام تهدئة طويلة الأمد، ويقلل من احتمالات الحرب الواسعة التي عاش اللبنانيون هواجسها خلال السنوات الماضية.
وفي جميع الأحوال، يبقى الثابت أن لبنان يتأثر دائماً بأي تفاهم أو صراع بين القوى الكبرى في المنطقة، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك ملفاته مع التوازنات الإقليمية.
أما السؤال الأخير..لماذا حصلت هذه الحرب أصلاً؟
لأن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن يوماً خلافاً عابراً، بل هو صراع ممتد حول النفوذ الإقليمي، والبرنامج النووي، وأمن الممرات البحرية، ومستقبل الشرق الأوسط. وقد مرت العلاقة بين الطرفين بمحطات عديدة من التصعيد والتهدئة، إلى أن وصلت إلى مرحلة أدرك فيها الجميع أن الحسم العسكري الكامل ليس خياراً واقعياً، وأن التفاوض أصبح أقل كلفة من المواجهة المفتوحة.
لذلك، قد يكون العالم اليوم أمام بداية مرحلة جديدة، لا عنوانها انتصار طرف على آخر، بل إدارة الصراع عبر التسويات والتفاهمات.
وعندها لن يكون السؤال،من ربح الحرب؟
بل من نجح في فرض شروطه على طاولة السلام؟
أما لبنان، فسيبقى السؤال فيه أكثر إلحاحاً...هل سيكون شريكاً في صناعة مستقبله، أم مجرد متلقٍ لنتائج اتفاقات يصنعها الآخرون؟
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس، هل اقترب الاتفاق؟
ما هو الثمن الذي سيدفعه لبنان إذا وُقّع هذا الاتفاق؟
فبعد القرى التي دُمّرت، والعائلات التي نزحت، والبيوت التي تحولت إلى ركام، ماذا يمكن أن يُقدَّم لأهالي الجنوب مقابل كل هذه التضحيات؟
هل تكون التسوية الحقيقية في إعادة الأرض إلى أصحابها، وإعادة إعمار القرى، وعودة الأهالي إلى منازلهم بكرامة وأمان؟
أم أن المطلوب من اللبنانيين أن يكتفوا بوقف إطلاق النار بينما تبقى الجراح مفتوحة والأسئلة معلّقة؟
هنا تكمن العقدة الأساسية.
فلا حزب، ولا دولة، ولا أي جهة سياسية تستطيع أن تقنع أبناء القرى المدمّرة بأن خسارة البيت والأرض والمستقبل يمكن أن تتحول إلى مجرد بند في اتفاق إقليمي أو ورقة على طاولة المفاوضات.
لهذا، فإن أي تسوية لا تضمن عودة الناس إلى أرضهم، وإعادة إعمار ما تهدّم، وتثبيت حقوق لبنان كاملة، ستبقى تسوية ناقصة مهما كبرت العناوين السياسية التي تُرفع فوقها.
أما البديل، فليس حرباً جديدة يدفع اللبنانيون ثمنها من دمائهم وأرزاقهم، وليس استسلاماً يفرض عليهم القبول بالأمر الواقع، بل تمسّكٌ بالحقوق الوطنية، وسعيٌ إلى تحويل أي تفاهم دولي إلى فرصة لاستعادة ما فُقد لا إلى شرعنة ما فُرض بالقوة.
وعندها فقط يمكن الحديث عن سلامٍ حقيقي.
سلامٍ لا يُقاس بعدد الاتفاقات الموقّعة، بل بعدد العائلات التي عادت إلى منازلها، وبعدد القرى التي نهضت من تحت الركام، وبقدرة اللبنانيين على الشعور بأنهم شركاء في رسم مستقبلهم، لا مجرد متلقّين لنتائج تسويات يصنعها الآخرون.
بالنهاية السؤال الحقيقي هو.. ما هو الثمن الذي سيدفعه لبنان إذا وُقّع هذا الاتفاق؟