الشرق الأوسط الجديد يُبنى على أنقاض العرب
الجمعة 8 مايو, 2026بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
خلّونا نَحكي بصراحة وبالعربي “المُشَبْرَح”…
حين تسقط الدول الكبرى في الشرق الأوسط، لا يسقط النظام وحده… بل تبدأ الخرائط بالاهتزاز، وتبدأ الدول الصغيرة بدفع الثمن.
ومن يظنّ أنّ ما يجري اليوم يخصّ إيران وحدها، قد يستيقظ غدًا على شرق أوسط لا يشبه ما عرفناه يومًا.
احذروا الفخّ الكبير: سقوط إيران قد يُسقط الجميع
ما بعد إيران أخطر ممّا يتخيّل العرب، لأنّ ما يجري اليوم في المنطقة ليس مجرّد مواجهة سياسية عابرة، ولا صراعًا محدودًا بين دولة وأخرى، بل مشروعٌ ضخم لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بأكمله وفق توازنات جديدة تُراد على حساب الشعوب العربية واستقرارها ووحدتها.
الكثيرون ينظرون إلى احتمال إسقاط النظام الإيراني بعين الخصومة السياسية أو المذهبية فقط، ويعتبرون أنّ سقوط طهران سيكون انتصارًا تلقائيًا للعرب والخليج، لكنّ السياسة لا تُدار بالعواطف والانفعالات، بل بقراءة المصالح وموازين القوى والنتائج البعيدة.
إيران، مهما اختلفنا معها، تبقى دولة محورية في المنطقة تمتلك تأثيرًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وأمنيًا واسعًا. وعندما تسقط دولة بهذا الحجم بطريقة عنيفة أو فوضوية، فإنّ تداعيات ذلك لن تتوقف داخل حدودها، بل ستتمدّد إلى كل الشرق الأوسط.
احذروا الفخّ الكبير، سقوط إيران قد يُسقط الجميع.
فالفراغ الذي قد ينشأ بعد أي انهيار كبير لن يبقى فراغًا، بل ستملؤه مشاريع النفوذ والتقسيم والحروب والفوضى، وستدخل المنطقة مرحلة أخطر بكثير ممّا تعيشه اليوم.
ما بعد إيران أخطر ممّا يتخيّل العرب، لأنّ التجارب السابقة أثبتت أنّ إسقاط الأنظمة بالقوة لا يبني دولًا مستقرة، بل يفتح أبواب الجحيم على الشعوب. العراق مثال حيّ، وكذلك ليبيا وسوريا واليمن. في كل مرة قيل للشعوب إنّ الخلاص قادم، لكنّ النتيجة كانت انهيارات اقتصادية، فوضى أمنية، تدخلات خارجية، وحروبًا طويلة دفعت ثمنها الشعوب وحدها.
دول الخليج العربي تحديدًا ليست بعيدة عن هذا الخطر كما يظن البعض. فأي انهيار شامل في إيران سيهدد أمن الطاقة والملاحة البحرية والاستثمارات والاستقرار الاقتصادي، وسيحوّل المنطقة كلها إلى ساحة مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية.
العدو ليس كما يظنّ البعض… والمنطقة تُدفع نحو الانهيار الكبير.
فبينما ينشغل العرب بالصراعات الداخلية والانقسامات الطائفية والسياسية، هناك مشاريع تعمل بهدوء لإضعاف الجميع وتحويل المنطقة إلى كيانات متناحرة لا تملك قرارها ولا سيادتها.
إنّ المشروع الصهيوني لم يكن يومًا مشروع سلامٍ حقيقي بقدر ما كان مشروع تفوّق وهيمنة واستفادة من كل حالة ضعف عربي. وكل دولة عربية تنهار تتحوّل تلقائيًا إلى دولة عاجزة عن حماية قرارها وثرواتها وحدودها.
المشكلة الكبرى أنّ الأمة العربية حتى الآن لم تبنِ مشروعًا عربيًا موحدًا يحمي مصالحها ويمنع تحويلها إلى وقود لصراعات الآخرين. ولذلك، بدل أن يتعلّم العرب من دروس السنوات الماضية، ما زال البعض يصفّق لأي انهيار جديد معتقدًا أنّ النار ستأكل خصمه فقط، بينما الحقيقة أنّ الحرائق الكبرى لا تعترف بالحدود.
المطلوب اليوم ليس الدفاع الأعمى عن أي نظام، ولا تبرئة أي دولة من أخطائها، بل فهم طبيعة المرحلة القادمة. فالمنطقة تدخل مرحلة إعادة رسم خرائط ونفوذ، ومن لا يقرأ المشهد بوعي، سيصبح جزءًا من الخسارة القادمة دون أن يشعر..